عن النشاط:

أقامت مؤسسة عبد المحسن القطان 4 ورشات لزملاء وزميلات الجيل الجديد التابعة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية ، بمشاركة 20 زميل وزميلة من جامعات فلسطينية مختلفة في مركز القطان الثقافي (رام الله). قدم الورشات كل من: مديرة متحف جامعة بيرزيت د. رنا بركات والأستاذ المشارك في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة بيرزيت د. أباهر السقا. و تمحورت الورشات حول معرض “فلسطين من الأعلى”، وكيفية قراءة هذا المعرض والأعمال فيه، من خلال التطرق إلى تاريخ الفن، والمتحفية، وقراءات سوسيولوجية مختلفة لهذه المواضيع. وكجزء من النشاط، أنتج الزملاء والزميلات عدداً من الكتابات حول المعرض.وتهدف هذه الورشات إلى تطوير وإتاحة انتاجات ثقافية من شأنها توسيع قاعدة الجمهور، وتحفيزه على التفاعل والفعل، وتعزيز بنية ثقافية، فنية وتربوية، حيوية قادرة على عملية إنتاج معرفة نقدية وتحريرية وإثرائها.

بقلم: كارم غانم (جامعة بيرزيت)

“الذاكرة تكون السلاح الذي يفكك مادية المشروع الصهيوني” هي عبارة مكتوبة على القمرة الرابعة في معرض فلسطين من الأعلى. تنبثق أسئلة من العبارة السابقة: هل للذاكرة هذه القوة فعلاً؟ كيف يمكن تحويل الذاكرة لسلاح؟ من المعلوم أن السلاح هو وسيلة تستخدمه أطراف متصارعة لتحقيق غاية؛ نقول إذاً، يستخدم الطرف الفلسطيني الذاكرة في مواجهة الطرف الإسرائيلي. الذاكرة هي وسيلة للفوز بالصراع؛ تحقيقاً لغاية “التحرر”. تتحدد الغايات والوسائل في بناء فكري فريد؛ لتشكل منظومة جدلية من الفكرة والموضوع. ما هو هذا الشكل الفكري؟ وكيف تتداخل الذاكرة فيه، كونها من وسائله؟ إن هذا الشكل في حقيقته علاقة بين فكر الإنسان وكيفية عمل المجتمع؛ وحينما وُجدت مثل هكذا علاقة يستخدم مفهوم الأيديولوجيا بمعاني مختلفة (Drucker 1972, 152).

يعرض في القمرة الرابعة من معرض “فلسطين من الأعلى” فيلم “عمواس: استعادة الذاكرة (2016)” للمخرجة ديمة أبو غوش. بحسب وصف المعرض، يحكي الفيلم عن علاقة ديمة مع قريتها عمواس، حيث تستعيد علاقتها مع قريتها عبر: “القصص التي لم تغادر ذاكرة أهل القرية، والتي يتم استحضارها خلال زيارة أراضي قريتهم التي تم محو ذاكرة المكان واسمه وهويته من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث تم إنشاء متنزه كندا على أنقاضها”.

في الفيلم محاولة استحضار لذكريات أهالي القرية، وبالرغم من الطابع الفردي لبعضها، فهي مشتركة لكل أهالي القرية، والتي تنتهي بتشكيل مجسم بتفاصيل القرية. حين تصف ديمة أبو غوش علاقتها مع الفيلم بالقول “هو سيرتي وهو ذاكرتي أيضاً” فهذا وصف دقيق لمفهوم الذاكرة الجمعية، وتحديداً التذكر الجمعي، كما يقول عالم الاجتماع هالبواكس مبلوراً مفهوم الذاكرة الجمعية[1]، فلكي يستذكر المرء ماضيه الخاص هو في حاجة إلى ذكريات الآخرين (Halbwacks 1992, 38). عملية استعادة الذاكرة الذي يدور الفيلم حولها ليست ثابتة، بل تكون في أطر اجتماعية، وهذا ما سماه هالبواكس بالأطر الاجتماعية للذاكرة. كما يعاد إنتاج الماضي في الذاكرة الجمعية، بعدسة الحاضر، أي تحكم عملية إعادة الإنتاج هذه بنية فكرية؛ أيديولوجيا ما. إن الماضي لا يحفظ، وإنما يعاد تشكيله على أسس الحاضر هو خلاصة ما يقوله هالبواكس في موضوع الذاكرة الجمعية. إن هذه الجملة بالغة في الأهمية، فهي تشكل المدخل لفهم العلاقة بين الذاكرة الجمعية والايديولوجيا من جهة، كما تعد أساساً في فهم الأيديولوجيا الفلسطينية من جهة أخرى باعتبارها أيديولوجيا مرتكزة على الماضي بشكل كبير ومتزايد.

عند الإشارة إلى الذاكرة الجمعية، يجب تجنب التعامل معها كحقيقة تاريخية ثابتة، ذلك أنها متشبعة دوماً، برغبات وتطلعات وحاجات وليدة اليوم؛ أي أنها بالضرورة جزء من بنية فكرية اسمها ايديولوجيا[2]، بالمعنى الفلسفي لا السياسي للكلمة. في هذا المقال، بالإضافة لمفهوم هالبواكس عن الذاكرة الجمعية، أجد بعض أطروحات سلافوي جيجيك وجاك لاكان مناسبة لصياغة السؤال الصحيح حول علاقة الذاكرة مع الأيديولوجيا، من خلال مفهوم الصدمة. يجب التنويه إلى أن تعريف جيجيك للايديولوجيا يبدأ بالسلب، والنقد للمفهوم الماركسي القائل بأنها طريقة خاطئة للتفكير بالأمور أي أن ما هو أيديولوجي يكمن في طريقة التحليل. بالتالي، عند جيجيك، الايديولوجيا ما زالت حية في عصرنا ولم تمت، كما أنها ليست مجرد وعياً خاطئاً ولا تميثلاً خادعاً للواقع، وإنما هي “الواقع نفسه والذي يجب أن ينظر إليه بالفعل على أنه أيديولوجي – الأيديولوجي هو واقع اجتماعي يشير وجوده ذاته إلى عدم معرفة المشاركين فيه بجوهره”  (Zizek 1989, 45).

قبل المضي قدماً، يجب توضيح مفاهيم سأستخدمها في التحليل، وهي: العَرَض، والفيتيشية، والصدمة. يعرف جيجيك العرض بأنه “تشكيل معين؛ اتساقه الشديد يشير إلى عدم معرفة معين من جانب الموضوع. وبكلمات أخرى فهو عنصر استثنائي يفسد القاعدة العامة التي هو جزء منها؛ هو نوع يخرب جنسه” (Zizek, 45). أيضاً، يستعين جيجيك في تحليله بمفهوم “فيتيشية السلعة” لماركس[3]. تحمل السلعة طابعاً فيتيشي ينشأ من شكل السلعة ذاته، وتعرف حسب ماركس بأنها “علاقة اجتماعية محددة بين الناس أنفسهم، تلك العلاقة التي تتخذ في أعينهم شكلاً خيالياً للعلاقة بين الأشياء”. يرى جيجيك أن فيتيشية السلعة لا تتمثل بهذا الاستبدال (استبدال العلاقة الاجتماعية بالعلاقة بين الأشياء)، وإنما فهي مكونة بالأساس من “خطأ معين يتعلق بالعلاقة بين شبكة هيكلية وأحد عناصرها” (Zizek, 48).

يصل جيجيك إلى نتيجة أن هذا الخطأ المتعلق بالعلاقة بين شبكة هيكلية وأحد عناصرها يمكن أن يحصل في علاقتين على حد سواء: العلاقة بين الأشياء، والعلاقة بين الناس؛ وتمثل هاتان العلاقتان نمطي الخطأ الفيتيشي (Zizek, 48). السؤال الجوهري عند جيجيك يكمن في العلاقة بين النمطين، وهنا يخرج لنا مفهوم العرض. بحسب جيجيك، فإن نمطا الفيتيشية (وهما غير متوافقين البتة) يظهران في نوعين من المجتمعات: في المجتمع الرأسمالي فإن العلاقة بين الناس ليست فيتيشية، بل العلاقة بين الأشياء (فيتيشية السلعة)؛ أما في المجتمع ما قبل الرأسمالي فعلى العكس، ذلك أن العلاقة بين الأشياء ليست فيتيشية، بل العلاقة بين الناس (علاقة الهينمة والعبودية) (Zizek, 50). يعتبر جيجيك أن تراجع نمط، ما هو إلا بمثابتة استبدال بنمط اخر؛ يقول (Zizek, 50):

لهذا السبب يتعين على المرء أن يبحث عن اكتشاف العرض في الطريقة التي تصور بها ماركس الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية. مع إقامة المجتمع البرجوازي، تقمع علاقات الهينمة والعبودية: رسمياً، نحن مهتمون على ما يبدو بالرعايا الأحرار الذين تتخلص علاقاتهم الشخصية من كل فيتيشية؛ تظهر العلاقة المكبوتة – حقيقة استمرار الهينمة والعبودية – في عرض يفسد المظهر الأيديولوجي للمساواة والحرية وما إلى ذلك.

إذن فإن عرض الأيديولوجيا الرأسمالية فيما يخص العلاقات الاجتماعية، بحسب جيجيك، هو العلاقة الاجتماعية بين الأشياء[4]. هذا العرض كما في التعريف “نوع يخرب جنسه”[5].

أما مفهوم الصدمة كما في التحليل النفسي اللاكاني فهي النقطة التي يعطل فيها المستوى الحقيقي سلاسة عمل المستوى الرمزي. يفهم هذا التعريف من خلال التطرق لمستويات النشاط الذهني وهي ثلاث: المستوى الصوري، والمستوى الرمزي، والمستوى الحقيقي. ببساطة يشكل المستوى الأول والثاني الواقع، أي الأنا (صورة الذات عن نفسها والأخر – المستوى الصوري) والمجتمع (رمز الأنا، أي اللغة والمؤسسات والعادات…). أما المستوى الحقيقي فهو العالم ما قبل اللغة، أي ما يترك للأنا المصدومة بعد الحدث الصادم. إذن، بينما يمثل المستويان الرمزي والصوري ما يمكن تمثيله (التعبير عنه)، فإن الحقيقي هو بعد لما يعجزان الأولان عنه؛ أو نفي لهما. كل بناء صوري-رمزي هو إجابة تاريخية لهذا العجز (Daly 2003, 7). ما تقدمه الايديولوجيا إذن هو البناء الرمزي للواقع – الفانتازيا المطلقة – كوسيلة للهروب من الاثار الصادمة للمستوى الحقيقي (Daly, 10)؛ بالتالي، فالمجتمع المتناغم مستحيل في ظل هذا التحليل، وتحديداً بسبب “الفائض القوامي للمستوى الحقيقي من حيث أنه السلبية التي لا يمكن السيطرة عليها، والتي يعتمد عليها كل إيجابية في النهاية” (Daly, 10).

كيف يفيد كل هذا التحليل المجرد في فهم الرواية الأيديولوجية الفلسطينية في علاقتها مع الذاكرة الجمعية؟ في فيلم عمواس، يظهر جلياً الشغف في استرجاع ما سبق. تهجير السكان، وتدمير المكان؛ هي صدمات حفرت في ذاكرة أهل عمواس، لحقها رواية للحدث، اخره على شكل فيلم. كل رواية بعد الحدث الصادم هي محاولة شفاء، وإعادة بناء لما فقد ودمر، ولو رمزياً كما حالة المجسم في الفيلم. إلا أن حلم العودة لما سبق غير ممكن، لا أقصد هنا زوال عمواس من قبضة الاحتلال الإسرائيلي فلا حاجة لنقاش كونه احتلال، وفعل غير أخلاقي يوصم الذاكرة الإسرائيلية بالعار. لكن من الضروري الأخذ بعين الاعتبار ان أن الصور المكونة عن عمواس لا تشبه “عمواس التي كانت” قبل الاستعمار. قس نفس الأمر فيما يخص صدمة النكبة. لا يقصد هنا حق اللاجئين في العودة، فحتى لو طبقت اتفاقيات السلام، وضمنت فعلاً “العودة” للاجئين؛ هل سيكون هناك عودة حقيقية بمعنى الرجوع لحالة ما قبل الاستعمار؟ هذا غير ممكن، ذلك أن عملية العودة ما هي إلا خلق لشيء جديد (Zizek 2014). هنالك دوماً خلط عند الشعب المستعمِر في هذا الخصوص، فعملية التحرر في وعيه هي سعي لإزالة المستعمر من خلال استرجاع الذاكرة، أي ذاكرة يقصد؟ ذاكرتنا قبل وجود المستعمر الذي سلب منا أصالتنا بالطبع. لكن ماذا يحصل حقيقة؟ في حقيقة الأمر أن ما نريد استرجاعه هو وهم، وما نريده حقيقة لم يكن، وهنا تكمن عملية الخلق. الفلسطيني يعرف ذلك، وما أقصد على الوجه الدقة أن الفلسطيني يعلم أن نمط الحياة الحالي “غير فلسطيني بالكامل”، كما يمتعض عند الافراط في استحضار عادات الماضي، وتجده أحياناً ينتقد العولمة رغم ارتدائه قميصاً لنادي كرة سلة أمريكي، أو بينما يسمع موسيقى غربية ويعيش نمط حياة عصري. كما يعلم أيضاً بأن مقاطعة البضائع “الإسرائيلية” فعل وطني وأخلاقي لكنه لا يقوم بذلك دوماً، وبهذا نرى أن تأثير الأيديولوجيا يكون حقيقة في الفعل لا الوعي.

باستحضار مجسم القرية في الفيلم، يستذكر أهالي القرية صورة قريتهم ويرسمون صورة عن بيوتهم وعاداتهم وغير ذلك، ويعرفون عن أنفسهم من خلال كل هذا، وهم مهجرين في رام الله، يعملون هناك ويعيشون همهم اليومي هناك لا حول لهم ولا قوة على تحقيق رغبتهم بالعودة. لا تهم الرغبة ما دام واقع الحال (أي الأيديولوجيا المسيطرة) تجبرك على التصرف بطريقة لا ترغبها، أوليس هذا من سمات العبودية والاستعمار وكل أيديولوجيا؟

المميز في حالة أهالي قرية عمواس، كما كل الشعب الفلسطيني، هو هذه المسافة بين رغبات محددة وبين الواقع، وهي ما أسميها بالصدمة الأيديولوجية، فهذه الرغبات لا تحتاج إلى سعي أكبر لتتحقق، كرغبة طفل في أن يصير لاعب كرة محترف. إن هذه الرغبة في العودة ليست حقيقية، بل هي قناع يخفي الام المعناة اليومية؛ هي قناع أيديولوجي تستفيد منه إسرائيل، فالرغبة بالعودة (العودة إلى الحالة الأصيلة لما قبل الاستعمار) غير ممكنة.

مرت الأنا الفلسطينية بأحداث صادمة عديدة، من نكبة ونكسة وانتفاضات وحياة يومية مليئة بالإحباط الشخصي والجمعي. إذن، كون المجتمع الفلسطيني ضحية لأحداث صادمة أدت لتدمير البناء الرمزي له، تطلب ذلك عملية إعادة بناء لصورته عن نفسه وعن الاخر، ومن هنا تنبع أهمية العلاج الصحي للكيان المصدوم، فنتائج العلاج الخاطئ كارثية[6]، لكن الأهم من ذلك كله هو اعتراف المرض بمرضه. ما يحصل الان هو محاولة علاج لصدمات مضت بالتزامن مع صدمة جارية. قد يفسر هذا بعض تناقضات الخطاب الفلسطيني، وهو ما يشكل صعوبة في دراسة من هذا النوع.

أهالي قرية عمواس مهجرون وبيوتهم مدمرة، لكن يقومون بصنع مجسم وينظمون مسيرات سنوية للعودة. لنفرض تمت العودة (وهنا أقصد العودة الممكنة، أي عودة اللاجئ لأرضه)، وزوال الاحتلال بطريقة ما. حسناً، سوف يظل التهجير محفوراً في الذاكرة، ويحاولون تحويل المجسم لواقع ولو جزئياً، وينظمون مسيرات سنوية تذكراً لألم التهجير واحتفالاً بالعودة. بعد نشوة هذه اللحظات ماذا؟ انشغال بمتطلبات الحياة اليومية كما الآن. أسأل: ما الرواية الفلسطينية التي تساعد الناس في تحمل أعباء الحياة اليومية سواء ما قبل “التحرر” أم بعده؟ وبشكل أهم، كيف تقوم هذه الرواية بمزج أحداث الماضي الصادمة فيها؟ بكلمات أخرى ما أيديولوجيا التحرر الفلسطينية؟

هذا التداخل بين الماضي والحاضر والمستقبل غير مستغرب البتة عند الحديث عن الأيديولوجيا في علاقتها مع الذاكرة الجمعية، إذ لا يمكن الحديث عن سردية فلسطينية بلا التطرق لصدمات الماضي والرغبات الناتجة عنه واقعية أم لا، وعملية الانتقال من الأول للأخير خلال الأيام الحاضرة والمعتقد الأيديولوجيا الذي يحدد هذه اللحظات.

إن المواطن الفلسطيني “المثالي” وفق الرواية الفلسطينية باختلاف نسخها الحاضرة والماضية (وسواء رسمية أم شعبية أم ثقافية)، بالظاهر لا مشكلة عنده في ديانة الآخر، وغير مبال بحريتك الفردية ولا جنسك ولا توجهاتك الجنسية، بل إن جل ما يريده هو التحرر؛ ثم القلق حول أمور أخرى. لا فرق عنده إن قادت حركة إسلامية عملية التحرر ما دامت تقاوم. لكن هذا كلام فارغ وغير عملي؛ وهذا ببساطة لأنك إن سألت “ما شكل التحرر الذي تريده؟” اختلطت الإجابات. وإن سألت عن الكيفية، أي “كيف نحقق هدفنا في التحرر؟”، اختلطت الإجابات أكثر. لا عجب في مثل هكذا حيرة البتة، لاسيما في ظل تناقضات غير محلولة في علاقتنا مع الذاكرة الجمعية.

استمرارية معاناة الفلسطيني تجعله أقل ثقة بهذه الرواية المتخبطة، فنجده يلجأ للفوضى بأشكالها المختلفة، وهذا الأشكال هي أعراض صدمة فلسطينية لم تنته بعد. كلما زادت المسافة بين الرغبات والواقع، تقترب صدمة، أو بكلمات أخرى يصبح البناء الرمزي أكثر هشاشة وأقل مناعة ضد المستوى الحقيقي للأنا، حيث لا معنى لأي كلام. هذه الزاوية من التحليل، أي النظر للمجتمع الفلسطيني كمجتمع مصدوم وفي خضم صدمات جديدة قيد التكوين، تعطينا نتائج مهمة قد تغير من فهمنا للصراع وبالتالي الحلول الممكنة.

الرواية الفلسطينية تنادي بالوحدة والتحرر الوطني أولاً، وتعامل الاستعمار الإسرائيلي كأساس لكل المعاناة الفلسطينية، وبالمثل عند الرواية الإسرائيلية مع عكس الأدوار. الذات التي تنادي بالحرية تنتج عرضاً يقوض هذه الحرية بالضرورة، وهذا العرض في الحالة الفلسطيني هو الانتقال من حالة الاستعمار إلى الدولة الرأسمالية برأيي. نجد مثلاً، عملية تحول مستمرة في الخطاب الرسمي الإسرائيلي في الثمانينيات من قومي صهيوني إلى ليبرالي منفتح (Nitzan & Bichler 2002, 15)، ونجد أيضاً تحولات مماثلة في فلسطين متمثلة بصعود خطاب السلام والمفاوضات. بنفس الوقت فإن الكره والعداوة المبررة تاريخياً بين الفلسطيني والإسرائيلي يجعل من كل واحد منهما في خانة (الفيتيش) للاخر، بحيث تخفي علاقات الاضطهاد اليومية “وهي اقتصادية في الغالب” على حساب شيطنة الاخر كأساس لكل مشاكله، فتصير متطلبات الحياة اليومية هامشية أو الإنفاق الكبير على قطاعات الأمن والجيش مبررة. لهذا تتمسك إسرائيل بدورها كمستعمر بغيض يعطل عملية الانتقال للسوق الحر عند الفلسطينيين، ويتمسك الفلسطيني بأدوار نضالية عفا عليها الزمن كردة فعل لا قدرة عنده على غيرها. مثل هكذا انتقال يجعل هذه الغرابات الأيديولوجية أقل غرابة عند الطرفين، لكن لا تتجاوزها بالطبع[7]. مثل هكذا انتقال يعني انتهاء الاستعمار بشكله الحالي… إنه يعني اختلاط وإعادة فرز النخب الاقتصادية بعد أن يصير الاستعمار مشروعاً غير مربحاً كفاية.

إن جزئية السوق الحر مهمة، فهي من أهم المؤسسات في الايديولوجيا الرأسمالية. لقد دخل السوق الحر المجتمع الفلسطيني رسمياً وما يزال مستعمراً، فصار السوق مشوهاً لا حراً. كما تتناقض اليات الاستعمار الإسرائيلي وآليات السوق الحر، للحد الذي لا يمكن للسوق الفلسطيني فيه أن يكون حراً ما دام خاضعاً تحت الاستعمار؛ هذا بالأساس غير ممكن. بالتالي، قد ينتهي الاستعمار في محاولة السوق ليكون حراً، وألا إن ثورة السوق أعنف وأقوى من كل الثورات الوطنية. أي قد تكون المرحلة القادمة باستخدام مفاهيم سلافوي جيجيك هي مرحلة انتقال من علاقات اضطهاد مباشر فرضها الاستعمار إلى علاقات الحرية المزعومة في مجتمع رأسمالي. لعل الانتقال يكون من علاقات الهيمنة التي فرضها الاستعمار إلى علاقات بين الأشياء (فيتيشية السلعة)، وهو بظني ما يحصل بشكل بطيء جداً نتيجة الحساسيات السياسية والدينية، وضمن هذا السياق أرى اتفاقية أوسلو وما شابهها بمثابة محاولة لتعجيل مثل هكذا انتقال. نرى مثلاً في أدبيات الاقتصاد السياسي للاحتلال الإسرائيلي والتي في معظمها من نتاج اقتصاديين إسرائيليين أن هناك اعتقاد بزيادة مستمرة في تكلفة الاحتلال على إسرائيل وزيادة في حجم الدمار على فلسطين ستؤدي بالضرورة إلى تغير في واقع الحال، بعدما كان مربحاً في البدايات (Hever 2010, 78).

يمكن القول إذن أن الرواية الأيديولوجية الفلسطينية تقوم بالأساس على سرد أحداث صادمة مضت وتوظيفها في محاولة تحقيق رغبات ناتجة عنها، ومثل هكذا رواية لا تعالج، بل تعاود بناء القديم في محاولة إنجاز الجديد، أيعقل أن تسكن فكرة الحرية في مبنى العشيرة؟ برأيي، فإن الخلاص يكمن في هدم السردية، وفي نصيحة ادوار سعيد خير مثال: “بالحديث عن النقد الذاتي، أشعر أنه كعرب بشكل عام، والفلسطينيين على وجه الخصوص، يجب علينا أيضًا أن نبدأ في استكشاف تاريخنا وأساطيرنا وأفكارنا الأبوية عن الأمة، وهو أمر لم نقم به، لأسباب واضحة، حتى الآن” (Said 1998).

أعتقد أن فيلم “عمواس: استعادة الذاكرة” هو مثال واضح للرواية الأيديولوجية الفلسطينية. أرى ذلك في محاولة تشكيل المجسم، وفي خاتمته حين تقول ديمة: “المجسم انتهى أخيراً… المجسم مش الحلم”. ماذا يعني هذا الكلام؟ أن أكون فلسطينياً فإن الحدث الأهم عندي هو النكبة والنكسة والانتفاضات والهزائم المتتالية… وكل أحلامي مبنية على هذا الماضي. لكن على أرض الواقع، فأنا فلسطيني (بالمعنى التقليدي، ولا أستطيع ألا أكون)، لكني أيضاً أكثر من ذلك. هذه الزيادة، أي “أنا أكثر من ذلك”، هي بالضبط ما عجزت الرواية الفلسطينية عن إدخاله في عناصرها. هذا كان وما يزال عائقاً وفجوة أمام كل محاولات التحرر والعلاج من صدمات الماضي، وذكرياته الأليمة. إن جل ما أخشاه أن يصير مجسم عمواس كأسطورة الهيكل، كما وأخشى أن تصير الذاكرة عبئاً علينا، فنقترف الآثام انطلاقاً من الحق. في محاكاة لطيفة لروسو عن المسيحية، يقول هالبواكس عن الماضي: “بعيداً عن ربط قلوب الناس بالمجتمع، بل يفصلهم في الواقع: لا يوجد شيء أكثر تعارضاً مع مصلحة المجتمع” (Halbwacks 1992, 51).


[1] تبلور مفهوم الذاكرة الجمعية في عشرينيات القرن الماضي من خلال عالم الاجتماع موريس هالبواكس، ويشكل المفهوم جزءاً من علم اجتماع المعرفة. اختلف المفكرون في تعريف المفهوم، كما اختلفوا في صحته؛ فمنهم من ينظر بزيف معناه، مثل سوزان سونتاج (Assmann 2008, 49)، ومنهم من يقول بأنه مسمى اخر للايديولوجيا كالمؤرخ الألماني راينهارت كوسليت (Assmann, 52).

[2] مفهوم الأيديولوجيا جديد نسبياً، صاغه لأول مرة أنطوان ديستو دو تراسي عام 1796 (Vincent 2009, 1)، حيث استخدم المفهوم كاسم لعلم جديد كان في صدد تدشينه. على خلاف الميتافيزيقا وعلم النفس والفلسفة السياسية واللاهوت، فإن هذا العلم الجديد بحسب دو تراسي يقدم تفسير صحيح وكوني للسياسة، اعتماداً على علم طبيعي (Drucker, 153). إلا أن المفهوم ظل غامضاً وأهمل، وبغير ذي صلة بما لحقه من توظيفات عن المفكرين اللاحقين؛ وأهمهم ماركس (Drucker, 153). بعد دو تراسي بخمسين عام، صار المفهوم الماركسي للأيديولوجيا يعني الوعي الخاطئ. إن مفهوم الأيديولوجيا عند ماركس يتخذ زخماً وتعقيداً جعل المفهوم مربوطاً بالتقليد الماركسي لا بدو تراسي، فهو يلعب دوراً محورياً في تحليل ماركس للرأسمالية.

[3] يقول ماركس: “تبدو السلع للوهلة الأولى شيئاً بسيطاً جداً ومبتذلاً. بيد أن تحليلها يبين أنها شيء مليء بالغرابات والتفاصيل الميتافيزيقية والأحابيل اللاهوتية. فهي بصفتها قيمة استعمالية لا تنطوي على ما هو مبهم] …[ ولكن ما أن تصبح سلعة حتى تتحول إلى شيء حسي عصي عن الإدراك” (ماركس 1985، 105).

[4] ما الأيديولوجيا إذن؟ عند ماركس فالايديولوجيا هي خداع، ويكون هذا الخداع في جانب المعرفة لا الفعل، يقول ماركس: هم لا يعلمون، ولكنهم يفعلون. على العكس من ذلك، فإن الأيديولوجيا عند جيجيك تكون في جانب الفعل على المعرفة؛ أي انها ليست مجرد مشكلة في التفكير، بل هي مشكلة في الفعل (Yang 2016, 15). يطرح جيجيك هذا المثال: الناس تعلم أن الورقة النقدية لا قيمة حقيقة لها، لكنهم يتعاملون معها في الوسط الاجتماعي (السوق) على أساس أنها شيء عجيب يحمل كل العلاقات الاجتماعية (Zizek, 47). بهذا يستعير جيجيك قول بيتر سلوتيداك “يعلمون، ورغم ذلك يفعلون” (Zizek, 53).

[5] بالإضافة لما سبق، يميز جيجيك بين ثلاثة جوانب للايديولوجيا تشكل الرواية الأيديولوجية (No Subject – Encyclopedia of Psychoanalysis 2019, Ideology): أولاً – المذهب الأيديولوجي يتعلق بأفكار، ونظريات، وإيمان الأيديولوجيا؛ وفيه تكون حالة الأيديولوجيا المحض؛ ثانياً – المعتقد الأيديولوجي الذي يعين التمظهرات الخارجية أو المادية، والأدوات للمذهب؛ ثالثاً – الشعائر تشير الاستيعاب الداخلي للمذهب، والتي تتم من خلال العملية الاتية: قبول الأفكار الأيديولوجية التي تعززها أدوات الدولة الأيديولوجية (الحكومة، السياسات المالية…)، ثم التصرف بناء على ذلك (Yang, 15). هنا يدخل جيجيك لاكان في الصورة؛ فبينما كان ماركس قادراً على تفسير الأيديولوجيا من خلال المجتمع ككل، فإنه لم يقدم تفسيراً فيما يخص الفرد؛ من حيث أن عملياته الفكرية مشبعة بالأيديولوجيا.

[6]  يجدر ذكر مفهوم فرويدي مهم في فهم الوقت: وهو (Nachträglichkeit) والذي يترجم: “الما بعد” أو “الفعل المؤجل”. يستخدم هذا المفهوم في التحليل النفسي في فهم العلاقة بين حدث ما، وإعادة توظيفه لاحقاً، من حيث أنه يكتسب فعالية نفسية جديدة (No Subject – Encyclopedia of Psychoanalysis 2019, Talk:Deffered Action). الحدث = الصادم لا يحمل صفة “الصدمة” كصفة جوهرية فيه، لكنه يكتسبها من خلال “الفعل المؤجل”، من خلال التأجيل… أي عند دخول الحدث حيز المستوى الرمزي. الحدث يبقى نفسه، لكن المعنى يتغير، وهذا ما يفسر القدرة على الشفاء من الصدمة (Myers 2003, 26). يستدل على وجود الصدمة من أعراضها، وبالتالي فهم الصدمة هو فهم الأعراض. اليات الشفاء من الصدمة، من خلال التكرار، وبالتالي الوصول لبناء معنى يتسق مع المستوى الرمزي، يخضع بشكل مستمر لتأثير الأيديولوجيا؛ وبشكل أدق جزئية الاستعاب الداخلي من الرواية الأيديولوجية.

[7]  يتسائل جيجيك: “ماذا لو كان هناك سران في صراع الشرق الأوسط: الفلسطينيون العلمانيون والأصوليون الصهاينة، فلدينا أصوليون عرب يجادلون بمصطلحات علمانية ويهود غربيون علمانيون يعتمدون على المنطق اللاهوتي” (Zizek 2009).