عن النشاط:

أقامت مؤسسة عبد المحسن القطان 4 ورشات لزملاء وزميلات الجيل الجديد التابعة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية ، بمشاركة 20 زميل وزميلة من جامعات فلسطينية مختلفة في مركز القطان الثقافي (رام الله). قدم الورشات كل من: مديرة متحف جامعة بيرزيت د. رنا بركات والأستاذ المشارك في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة بيرزيت د. أباهر السقا. و تمحورت الورشات حول معرض “فلسطين من الأعلى”، وكيفية قراءة هذا المعرض والأعمال فيه، من خلال التطرق إلى تاريخ الفن، والمتحفية، وقراءات سوسيولوجية مختلفة لهذه المواضيع. وكجزء من النشاط، أنتج الزملاء والزميلات عدداً من الكتابات حول المعرض.وتهدف هذه الورشات إلى تطوير وإتاحة انتاجات ثقافية من شأنها توسيع قاعدة الجمهور، وتحفيزه على التفاعل والفعل، وتعزيز بنية ثقافية، فنية وتربوية، حيوية قادرة على عملية إنتاج معرفة نقدية وتحريرية وإثرائها.

بقلم: فيروز سلامة (جامعة بيرزيت – فلسطين)

مقدمة:

افتتحت مؤسسة عبد المحسن القطان في مركز القطان الثقافي بتاريخ 11 أيلول عام 2021 معرض “فلسطين من الأعلى”.[1] وفي إحدى زاويا المعرض تحت قسم المواد المعاصرة يوجد هناك صورة لجدار مستعمرة جيلو مع تعريف قصير -نص توضيحي- تحتها بتاريخ إقامة الجدار والرسمة الموجودة عليه.  هذه الصورة المحددة هي المادة المنطوقة- المكتوبة والبصرية التي تسعى الورقة إلى دراستها، وتوضيحها كونها “مادة” التحليل في الورقة إذ سوف يتم التعامل معها، باعتبارها تشكيل بصري جزئي من التشكيل البصري الكُلي للمعرض من ناحية، وكونها مادة بصرية لها أبعاد مرتبطة بالدلالات التي تعكس محتوى هذه المادة، ويعد تقسيم المادة إلى قسم جزئي وكلي باعتباره تقسيم اجرائي فقط لغاية هدف الورقة وهو قراءة نقدية لهذه الجزئية. 

“في بداية الانتفاضة الثانية العام 2000، تم بناء جدار على سفح تل لحماية مستعمرة “جيلو” (في القدس الشرقية) من القناصة الفلسطينيين في بيت جالا، التي هي قرية فلسطينية مسيحية متواجدة على التلة المقابلة. عندما ثبت أن الجدار غير فعال وقبيح وأدى إلى حجب “المشهد الطبيعي العربي” لبيت جالا (الذي يعتبر ذا قيمة عالية)، بدأ المستوطنون بتشويه الجدار عن طريق كتابات “جرافيتي” المعادية. رداً على ذلك، قررت سلطات بلدية الاحتلال التخفيف من قباحة الجدار من خلال تكليف أشخاص معنيين بإعادة الإنتاج الفني للمشهد الغائب.

تم تعيين مجموعة من المهاجرين الجدد من روسيا لرسم الجدار بدلاً من الفنانين الإسرائيليين المحترفين، الذين كانوا سيرفضون هذه المهمة باعتبارها ذات أبعاد أيديولوجية فاضحة ومحاولة تجميل لشيء قبيح ورديء. كان لدى الفنانين الروس (الذين كانوا فقراء وممتنين لاستلام هذه المهمة) أسلوب “حزين” في الرسم (وفقاً لوصفهم)، استنباطاً من واقعهم الحزين في ظل الحكم الاشتراكي. كما شبه المهاجرين الروس تلك الأشكال بسياسات النظام السوفيتي المبنية على العيش بأكاذيب.

يمكن اعتبار الجدار في جيلو بمثابة ” ندبة” في المشهد الطبيعي نتيجة للضم الإسرائيلي العنيف لأراضٍ فلسطينية، بينما تم حجب المشهد الطبيعي واستبداله بأوهام. قرية بيت جالا الحقيقية المكتظة بالسكان وتغطي منازلها التلال المجاورة. لكن القرية المرسومة على الجدار ترينا مناظر طبيعية عربية خلابة لكن مهجورة بشكل كامل من سكانها. يعكس ذلك الرغبة الشديدة طويلة الأمد للكثير من الإسرائيليين بأن يشهدوا “اختفاء” الفلسطينيين ومحو أي إشارة لمساكنهم.”[2]

فتحليل المادة المحددة هنا، هو تحليل لكل من موقعية المادة في معرض  فلسطين من الأعلى خلال فترة إقامة المعرض بشهر أيلول عام 2021  كنظام سيميولوجي متكامل يعكس بذلك ثلاثة أبعاد من الدالة والمدلول حسب رولان بارت التي سيتم استخدامها وهي: الوجود “المادي-الفيزيائي” على مستويين: الأول كصورة فنية في المعرض. والثاني، الوجود على أرض الواقع- وجود المستعمَرة- نتيجة لاستمرارية الحالة الاستعمارية التي لم تنتهي بعد. وكلا الانعكاسان مُرتبطان بمعنى ودلالة الماهية التي تحملها رسمة الصورة، ما يقودنا إلى دالة ومدلول آخرين ببعد رمزي، أي الرسمة الموجودة على الجدار المرسوم في رسمة الصورة، وبذلك يصبح هنالك ثلاثة أبعاد تشكلت من انعكاسية الصورة الموجودة في زاوية المواد المعاصرة في المعرض التي تمثل بدورها التشكيل المرئي الخطابي الراهن المراد تحليله. سوف تحاول هذه الورقة الاستعانة بالمقاربة النظرية التي قدمها رولان بارت في نموذجه لدراسة الدلائل وكيفية تشكيلها في النظام السيميولوجي، وتحديداً عبر ثنائية الدال والمدلول. يتكون الدال والمدلول من الماهية والمحتوى، فماهية الدال دائماً مادية تقود إلى ماهية المحتوى أي المدلول التي تعد التصور الناتج عن الشكل (الذي يمثل طبيعة الدال المادية)[3] والدال بطريقه إلى تحديد الشكل فهو لا يقود إلى معناه، وإنما يتم ملىء المعنى الخاص به من مدلوله الذي يقوم على توضيح القيم والعناصر الثقافية الذي يحتويه الدال. وبين كل دال ومدلول هنالك العلامة/الدليل التي توضح العلاقة بينهما، والتي تقود بدورها إلى تحول العلامة الثقافية الناتجة إلى دال جديد مسهمة في توليد وتشكيل النظام السيميولوجي المعني/المُحدد دراسته[4]. وتجدر الإشارة إلى أن استخدام هذه المقاربة هو ضمن السياق الاستعماري الصهيوني لفلسطين الذي ما زال مستمرًا حتى اليوم.

وفي إطار ذلك تبحث الورقة في التساؤلات التالية: كيف يمكن فهم عرض صورة جدار مستعمرة جيلو في معرض فلسطين من الأعلى كمحاولة لعرض سياسات السيطرة الاستعمارية على الأرض ضمن صراع مواجهة الهيمنة الاستعمارية ولكن دون الخروج عن إطار هذه الهيمنة والبقاء ضمن نطاقها؟ وكيف يتحول الفن “الجمالي” إلى أداة محو وسيطرة في السياق الاستعماري الفلسطيني؟

تكرار الاستلاب وتحويل الرموز الاستعمارية إلى أعمال فنية تُعرض في المعارض الفنية:

إن دلالة المادة باعتبارها وحدة واحدة تمثل الخط السميولوجي الأول “الدالة الأولى”، وذلك ضمن موقعها في معرض فلسطين من الأعلى المرتبط بإبراز العلاقة بين المدن الفلسطينية وتجاوز التقسيمات الاستعمارية وتحديداً بين مدينتي بيت لحم والقدس، التي تقام مستعمرة جيلو والجدار الموجود في الرسمة على أراضي تابعة لقرى كلا المدينتين، ويتوضح ذلك من خلال صورة خريطة فلسطين التاريخية الموجودة بجانب صورة رسمة الجدار، وتحديد المواقع عليها وموقعها الجغرافي من القدس[5].

إلا أن إشكالية اختيار هذه المادة  وعرضها لا يتمثل فقط في عملية عرض لنمط تفكير المستعمِر “الإسرائيلي” تجاه الفلسطيني الأصلاني ضمن المعرض الذي حاول عرض سردية النظرة إلى فلسطين من الأعلى ومن الخارج،  بل في دلالة هذا العرض المرتبط بالنص السردي المكتوب بجانب صورة جدار مستعمَرة جيلو ووجود نقطة عالقة غائبة بين الدالة الأولى ” المادة” والدالة الثانية المتمثلة بالوصف الأساسي للمعرض ” الموجود في مدخل المعرض”، التي تستعرض العلاقة بين السطلة والهيمنة الكولونيالية من خلال عرض مواد فنية تسعى لهدم هذه البنى الكولونيالية التاريخية والمعاصرة”[6].

 فالعمل الفني ” صورة الجدار والرسمة التي عليه”[7] بوجودها لم تمثل أي انعكاس في محاولة لعملية الهدم التي يهدف لها المعرض، إلا في نقطة واحدة وهي محاولة تجاوز التقسيمات الجغرافية الاستعمارية.  بل على العكس من ذلك، فقد تم عرض مادة فنية استعمارية تمارس عنفاً رمزياً على الفلسطيني ووضعها في المعرض الأصلاني، فخطاب الوصف المكتوب بجانبها لم يمثل غرض الهدم بل محاولة متواضعة مفككة لإعادة سرد تاريخ هذا العمل وسبب وجوده دون الخروج من هيمنة الخطاب الاستعماري فأصبحت وكأنها محاولة لإعادة إحياء مشهد استعماري بسردية فلسطينية أصلانية مع استحضار هيمنة المستعمِر بطريقة غير مباشرة، من خلال استعراض الهيمنة الأمنية الاستعمارية من خلال العنف الرمزي المتمثلة بصورة جدار مستعمَرة جيلو. وهنا في هذه النقطة برز التعارض بين المادة المعروضة ووصف هدف المعرض الأساسي – هدم البنى الكولونيالية-، فوجدت نقطة الغياب في المعرض وهي كيفية عدم الخروج من إطار الهيمنة الاستعمارية  وذلك بعرض رسمة تمت صناعتها والموافقة عليها من قبل الجهاز الرسمي في مستعمَرة جيلو وهي البلدية التي قامت باستئجار الفنانين ” الروس الجدد القادمون لفلسطين المستعمَرة” [8]، إضافةً إلى استخدام مصطلح مثل ” مهاجرين روس” بدل مستوطنين روس، يقود إلى الخطوات الأولى في تحليل إشكالية هذا الاستخدام من ناحية موقعية المستعمِر في البلاد المستعمَرة القائمة على السيطرة عليه، وتحويل الهجرة إلى فعل طبيعي بمعنى الهجرة دون ربطها وتحديد مفهومها المرتبط بالاستعمار الإسرائيلي الذي يسعى للاستيطان بطريقة غير شرعية لا مجرد هجرة وقدوم طبيعي للهروب من واقع سياسي -روسيا- آخر بائس وغير عادل “وفق وصف النص لحالة الروس”.

إضافةً إلى أن استخدام الحجب والاستبدال كحقيقة أصبحت واقعية هي معضلة بسبب الأساس القائمة عليه جملة الوصف: “اعتبار الجدار ندبة نتيجة الضم “الإسرائيلي”، فتم حجب المشهد الطبيعي واستبداله بأوهام” فالجملة بطريقة صياغتها الموجودة في المعرض  تقدم شرعية غير مصرح بها -لا مرئية-  بشكل واضح لعملية محو المشهد الطبيعي الفلسطيني ووجود بديل استعماري عنه” رغم توضيح الفقرة التي تليها بحالة قرية بيت جالا واكتظاظ السكان فيها، إلا أن استخدام فعلي الحجب والاستبدال كمفاهيم لغوية في هذا السياق هو وقوع في دوامة الخطاب الاستعماري الذي عمل بعد استعمار الأرض بشكل مباشر إلى تحويل الجدل حول كيفية تعامله مع هذا الواقع لا الأساس الذي أقيم عليه وهو استعمار الأرض، الأمر الذي جعل من الحديث عن جدار المستعمَرة هو حديث عما حدث للجدار من تحولات شكلية لا الحديث عن الجدار بحد ذاته كأداة استعمارية تم استخدماها من أجل تقسيم الأراضي الفلسطينية وفصلها عن بعضها البعض، وحماية المستعمرة من ناحية أخرى. وهو ما “يحجبه الخطاب المستخدم في المعرض” ويعرض مادة أرشيفية تم استنطاقها بعرضها في المعرض لتعرض أساس السلطة الكولونيالية ولكن دون الوقوف عند حدود تفكيك هذه السلطة بل عرضها كسياق تمت إعادة سرديته بمنهجية أصلانية، وفي هذه النقطة تتمثل المعضلة بكيفية التعامل مع المنهجية الأصلانية كمنهجية مواجهة مضادة للخطاب الاستعماري، فخلال ورشة العمل على معرض فلسطين من الأعلى كان العمل خلال إحدى جلسات الورشات مع الدكتورة رنا بركات على توضيح كيف يمكن ممارسة الأصلانية كمنهجية وكيف يمكن قراءتها وفهمها من خلال زوايا هذا المعرض، ولكن بنظرة معمقة للزاوية التي تختص بها هذه الورقة فيمكن ملاحظة محاولة بناء سردية أصلانية، ولكنها سردية صبت لصالح الخطاب الاستعماري فنزعتها من أصلانيتها ” الأصلانية الخاصة بالفلسطيني المسلوبة أرضه” وتحولت إلى سردية أصلانية بعيون استعمارية[9].

  لذلك فإن موقعية المادة المكتوبة  أي ” الخطاب” ، بقيت محصورة في داخل إطار التفكير الاستعماري ومنطق تعامله، فدلالة المادة هنا بمحتواها الذي عمل انعكاس تعريفها التحليلي هي استعراض لتفكيك وتعقيد الفكر الفلسطيني في أعماله الفنية وابقاءه محصوراً ضمن إطار حدود التفكير الذي يسعى لضبطه والسيطرة عليه، وهي تركيبة خطاب المادة: على الرغم من وجوده ضمن هدف يسعى لتفكيك وهدم محاولات السلطة الكولونيالية إلا أن الهدف لم يحقق مضمونه، وإنما عكس محاولة سلبية تمثلت بعرض خطاب يقدم تفسيراً لانعكاسات فعل السيطرة غير المرئي على صعيد الإنتاج الفني الفلسطيني ما أدى إلى جعل المادة المعروضة وهي الدالة الأولى، عبارة عن تكرار استلاب رمزي من خلال عرض لرمز استعماري في معارض الأصلاني -معرض فلسطين من الأعلى- دون مواجهة نقدية تحررية لهذا الرمز.

مستعمَرة جيلو وجدار “الحماية”: الفن كأداة شرعنة لسرقة الأراضي في المشروع الصهيوني الاستيطاني:

إن صورة القرية الفارغة المرسومة على الجدار المحيط في مستعمَرة جيلو حسب الصورة يشكل الدالة الثالثة في النظام المعني تحليله في هذه الورقة، وتمثل الكيفية التي يصبح فيها الفن أداةً من أجل محو الأصلاني على الصعيد الرمزي الذي يمثل بدوره تعبيراً بصرياً عن الهدف الأساسي للمنظومة الاستعمارية الصهيونية وهو: السيطرة على الأرض ومحو السكان الأصلانيين -الفلسطينيين- منها، إذ مثلت ماهية صورة القرية الفارغة مدلولها من خلال الرسمة التي شكلت المعنى والتعبئة الخاصة بصورة الجدار الجزء من (المادة الكلية)، فأصبح الجدار دلالة على مدلول يعكس تعبيراً بصرياً عن طرق آلية استعمار الأرض وصورتها المتخيلة في ذهن الصهيوني.

 ولكن ماهية مدلول المادة، أي الجدار لم تكتسب معناها هذا فقط من الرسمة وحدها باعتبارها مدلول لدلالة الجدار كشيء مادي موجود، وإنما اكتسبت معناها من الوصف الخاص بها والذي عبر عنه بالنص السردي -الوصفي- بجانب الصورة- الذي باعتباره دلالة بمدلول حول الصورة ومحتوياتها، فمثلت عناصر الوصف اللغوية – المادة المكتوبة- محتوى “مربع” الوصف وشرح هدف وجود الصورة في المعرض. الأمر الذي يقود إلى أن المادة وماهيتها أدت إلى الوصول إلى صورة القرية الفارغة على الجدار وماهيتها بطريقة تعالقية، غير منفصلة وصولاً إلى الدالة الرابعة  وهي مستعمَرة جيلو (التي تمت الإشارة بالوصف دون صورة بصرية) التي بسببها وجد الجدار والرسمة عليه، وهو ما يقود بدوره إلى محتوى هذه الدالة المرتبط بالشرط الواقعي في تشكيل النظام السيميولوجي هذا، وهو واقع الاستعمار الاستيطاني للأرض الفلسطينية، إذ أن مدلول صورة القرية الفارغة على الجدار  لا يتوقف عند اعتبار ذكر المستعمَرة في المادة المكتوبة حول الجدار فقط، بل يرتبط بوجود الجدار بحد ذاته كدلالة للتعريف بسبب وجوده وهو تحقيقه غرض الحماية للمستعمَرة ” الغير مرئية في الصورة وهي  وراء الجدار  – ليس صورة القرية الفلسطينية المكتظة على أرض الواقع والمتخيلة بأنها فارغة على رسمة الجدار-” وما يعبر عن معنى الصورة وماهيتها المرتبطة بالوصف التحليلي الذي يصف أسباب إقامة هذا الجدار وموقعه الجغرافي وزمن إقامته، ” في بداية الانتفاضة الثانية العام 2000، تم بناء جدار على سفح تل لحماية مستعمرة “جيلو” (في القدس الشرقية) من القناصة الفلسطينيين في بيت جالا، التي هي قرية فلسطينية مسيحية متواجدة على التلة المقابلة”[10].

أقيمت مستعمَرة جيلو خلال العام 1971 على أراضي بيت جالا وبيت صفافا ومنذ إقامة المستعمَرة توسعت بالاتجاهين الجنوبي والغربي، على مساحات من أراضي بيت جالا وقد بلغت مساحة المستعمَرة ٢٧٣٨ دونم[11]. تشكل مستعمَرة جيلو بموقعها الجغرافي المقام على أراضي بيت جالا وبيت صفافا أهم الدلالات التي حاولت زاوية المعرض عرضه في محاولة لتجاوز سياسة التقسيم الاستعماري الصهيوني للأرض بفصل مدينة القدس كمدينة مركزية عن باقي المدن الفلسطينية، ولا ينعزل هذا الهدف عن المحاولات الإسرائيلية لــــ”شرعنة جيلو” وذلك بتصنيفها كحي تابع لبلدية القدس[12]،  في محاولة لإخراجها من تصنيف اللاشرعي كمستوطنة مقامة على أراضي الضفة الغربية ويمكن تتبع ذلك من خلال محاولات رؤساء بلدية جيلو تصدير  هذا الخطاب باعتبار جيلو حالة طبيعية وحي من أحياء كمدينة القدس التابعة رسمياً ” حسب القانون الدولي الغير شرعي” لدولة الاستعمار الاستيطاني ” اسرائيل” وذلك بتصريح يافا شطريت مديرة مجلس – مستعمرة- جيلو في مقابلة أجرتها  معها “جيروسالم بوست”، دعت العالم (المجتمع الدولي) للقدوم ورؤية حي جيلو وفهم الجغرافيا؛ نحن لسنا مستوطنة، نحن جزء من مدينة القدس، ونحن مثل حي القطمون.” [13]

 ” أشاد عوفر أيوفي، رئيس مجلس إدارة الحي في جيلو، بهذه الخطة مباركًا: “كلّ من يعتقد أنّ جيلو تابعة للأراضي المحتلة، أدعوه للزيارة حتى يرى التسلسل بين جيلو وقطمون، وتلبيوت وهار حوما والمالحة. الخطّ هنا ممحوٌّ منذ زمن”[14]. وقال عوفر أيوفي أن جيلو مجرد حي والذي يحاجج بذلك من العالم يستطيع القدوم ورؤية ذلك بنفسه.

الخاتمة:

إن وجود المستعمَرة المستمر إلى اليوم هو تعبير عن ماهيتها كوجود مادي، وذلك بانعكاس هذا الوجود باعتباره ماهية محتوى الدالة وشكلها، الذي دل بدوره من خلال العودة إلى صورة القرية الفارغة الموجودة على الجدار الذي أقيم لحماية مستعمرة جيلو كتعبير عن العنف وعملية المحو من خلال الإشارة إلى أن المستوطنة هي البناء الجديد على حساب السكان الأصلانيين في المنطقة. إلا أن المفارقة هنا تتمثل بغياب صورة القرية الفارغة والمادة ككل بترتيب عرضهما في الورقة، وذلك بقيام بلدية الاحتلال بتفكيك الجدار عام ٢٠١٠ وذلك لاعتبار أن مهمة وجوده قد اختفت ” وهي اختفاء حالة اللاأمن” أي انتهاء الانتفاضة.[15] ورغم أن النظام السيميولوجي في الورقة “يسعى لدراسة ما هو موجود في الزاوية” وليس قراءة التحولات التي حدثت له زمنياً، من أجل عدم سلب ماهية المدلولات من سياقها، إلا أن الإشارة له مرتبطة بوجود زمن ثالث مضاف إلى زمن نشوء الجدار من ناحية وزمن إزالته \ تفكيكه، وهو زمن توثيق وحفظ رمز استعماري وعرضه في معرض أصلاني لمواجهة بنى السلطة الكولونيالية – التي لم تواجه فعلياً- ، وهو زمن عرض المعرض ٢٠٢١.


[1]  افتتاح معرض فلسطين من الأعلى، مؤسسة عبد المحسن القطان. https://bit.ly/3o8ZT6Q

[2]  النص السردي بجانب صورة جدار المستعمَرة، من معرض فلسطين من الأعلى. تصوير الباحثة. الصورة في نهاية الورقة

[3]  رولان بارت، مبادئ في علم الأدلة (سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع، ١٩٨٧)، ٧٧-٧٨

[4] رولان بارت، أسطوريات (بيروت: منشورات الجمل، ٢٠١٨)، ٢٣٨-٢٤٩

[5] الصورة المرفقة للزاوية من معرض” فلسطين من الأعلى”. تصوير الباحثة. الصورة في نهاية الورقة

[6]  وصف المعرض الموجود في المدخل الرئيسي عند بدء الجولة في المعرض. الصورة من تصوير الباحثة. الصورة في نهاية الورقة

[7]  صورة العمل الفني مرفقة في بداية الورقة.

[8]  أثناء عملية البحث لتحليل النص والأسس المعلوماتية التي قام عليها الخطاب السردي الموضوع كوصف بجانب الصورة، تم الوصول إلى المادة التالية التي سيتم توثيق معلومة قيام البلدية باستئجار الفنانين الروس لرسم رسمة العنف والمحو تجاه الفلسطينيين في بيت جالا، وهو مصدر معلوماتي  ( الذي ترتبط به معلومات أخرى مضافة بالوصف)  غير المصدر المشار إليه بالوصف حول مصدر الصورة والوصف الذي يتبع الصورة ( وفق متحف بروكلين الذي أخذت منه الصورة)، وهي مادة اثنوغرافية كتبها كاتب “إسرائيلي” أثناء توثيقه لعملية إزالة جدار ” الدفاع حسب وصفه” لمستعمَرة جيلو بعودته إلى كيفية انشاء الجدار ورسم رسمة القرية عليه.

משה הרפז. (המתבונן: ככל שתרבו להתבונן כך תראו יותר!). חומת גילה: פרידה זמנית או אשכבה סופית?. https://bit.ly/3zblTnQ

[9]  تم الاستناد في هذه النقطة للتحليل إلى ما طرحته الدكتورة رنا بركات، خلال النقاش حول مفهوم الأصلانية داخل ورشة العمل في مؤسسة عبد المحسن القطان.

[10] اقتباس من الص الأساسي السردي الموجود بجانب صورة جدار المستعمَرة، حسب ما ذكر في الهامش رقم 2.

 

[11] معلومات حول مستعمَرة جيلو. الموقع الرمسي لبلدية بيت جالا. https://bit.ly/3yIV6he

[12]  What is the need for all these references in Hebrew which we cannot read or understand anyways? Please ask her to remove them if she can  אודות השכונה.  עיריית ירושלים. https://bit.ly/3zcj5Xq

وصف جيلو ” كحي” وتصنيفها الموجود على الموقع الرسمي” للبلدية القدس” لبلدية الاستعمار.

[13] How many Israeli settlers are there?. “ in the last part of article: Who is the director of the Gilo community council?.” https://bit.ly/3yOAggF

[14] الخط هنا مَمحوٌّ منذ زمن: سيتمّ توسيع حي “جيلو” في ثلاثة اتجاهات، عمليّات ضّم متواصلة حتّى “هار جيلو” بما في ذلك وادي كريمزان،  ” مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بيتسيلم”. https://bit.ly/3PwCtUt  

[15] ניר חסון. פיקוד העורף החל בפירוק קירות המגן בשכונת גילה בירושלים. עיתון הארץ.  https://bit.ly/3yFCAX4

خبر إزالة “الجدار” على صحيفة هآرتس الإسرائيلية.