عن النشاط:

أقامت مؤسسة عبد المحسن القطان 4 ورشات لزملاء وزميلات الجيل الجديد التابعة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية ، بمشاركة 20 زميل وزميلة من جامعات فلسطينية مختلفة في مركز القطان الثقافي (رام الله). قدم الورشات كل من: مديرة متحف جامعة بيرزيت د. رنا بركات والأستاذ المشارك في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة بيرزيت د. أباهر السقا. و تمحورت الورشات حول معرض “فلسطين من الأعلى”، وكيفية قراءة هذا المعرض والأعمال فيه، من خلال التطرق إلى تاريخ الفن، والمتحفية، وقراءات سوسيولوجية مختلفة لهذه المواضيع. وكجزء من النشاط، أنتج الزملاء والزميلات عدداً من الكتابات حول المعرض.وتهدف هذه الورشات إلى تطوير وإتاحة انتاجات ثقافية من شأنها توسيع قاعدة الجمهور، وتحفيزه على التفاعل والفعل، وتعزيز بنية ثقافية، فنية وتربوية، حيوية قادرة على عملية إنتاج معرفة نقدية وتحريرية وإثرائها.


بقلم: سلام بطمة (الجامعة الامريكة اللبنانية – لبنان)

نعيش في غياهب الجهل والنسيان، تتلاشى أفكارنا حيث ننتمي، نكون في مكان اللا-مكان وأرض بلا عنوان. ألحق الهواجس والخيال لأرسم صورة عن قلب وطني النابض وأختلي بها كأنها الحقيقة، بالدخول الى أعماق عمل فني شاهد على قيام أركان القدس. تحركت بانسياب مع تياره المنعكس على ذاتي؛ حتى أكتشف لاحقاً أنني لم أرَ القدس اطلاقاً.

صورتان  مختلفتا الأبعاد، ما بين الاستشراقيين الساعن لطمس روح المكان وعبقه بألوانها القاتمة وابنة المدينة صوفي حلبي التي نسجت صورتها كما رأتها وتعنيها. فرغبتنا المؤكدة في الوجود ، تخلق منا باحثين عن هذا الحيز فحينما تستشعر بوجود الوطن أو شيء منه، تنظر بتتابع جليل لكل تفصيل  ليتسنى لك العثور عليه بين الأزقة و الهوامش لتصقل صورة قد تكون مأخوذة أو مقتبسة من البيئة المعاشة أو من السرديات المتناقلة. حيثيات أخرى تشكلت و ارتسمت في اللاوعي الجمعي ، ليخلقا تأطيراً لصورة جديدة في مخيلتي ولأختزل من كل رمز معنى، فمن شجر الزيتون والصنوبر اللواتي سقين من مياه الخليل الواصلة لجوف القدس رأيت معنى الصمود والكينونة الدائمة.

وفي باب العمود تتصور محيا الكهل الذي يتجول برفقة حماره بين حارات القدس وأركانها ليبيع القليل من الحليب، وعبق السوق المنتشر في أطيافه، لتلمع ذهبية الصخرة ونحاسية الأقصى وأجراس القيامة شواهد على قدسيتها.

اليوم، لم يعد الأقصى أقصى ولا القيامة قيامة؛ مقتصرةً على ثلة من الناس يأتون إليها من كل قرى فلسطين التاريخية (فلسطيننا) يافا، حيفا، الناصرة ، اللد ، الرملة والسبع.. ليحجوا إليها.

فسور القدس بأبوابه السبعة المفتوحة (العمود، الساهرة، الأسباط، المغاربة، النبي داوود، الخليل والجديد) التي تصب في بحر المدينة سواء أكانت من الشام، الأردن، مصر و الساحل الفلسطيني وبقية المدن الفلسطينية المجاورة و غير المجاورة لها . لأدخل من باب العمود وأتجول في أزقتها كاملة، سوق الصاغة (الأرمني)، القطانين كما الدباغيين، ليتغذى بصري بدكاكينها الصغيرة و أتنفس من هوائها المفعم برائحة تاريخ فلسطين بينٍ ماض وحاضرٍ أليم. وإذ بي أصعد درجات السويقة عابرة من باب البازار ليتكلل في محياي جمع من فلاحي وفلاحات الأرض يبيعون خضارهم بكل حب وإصرار مُتبعين نهج الآباء والأجداد، فخرجت من باب الخليل باحثة عن عنان القدس…

استوقفني مبنى بحجرٍ أحمر على الطراز الإنجليزي المسمى بمبنى الملك داوود، المقام على أراضي لفتا “القرية المُهجرة”. ومن أراضي لفتا إلى لفتا، وهناك ساقتني أقدامي في شارعها المنحدر لتنحدر قدمي متجهة لدير ياسين الشهيرة، المجزرة التي دفعت العديد للجوء من وعن قراهم  خوفاً من تكرار مشهد المجزرة مرة أخرى لينجوا بأرواحهم على أمل العودة بعد أيام معدودة الا أن الأمل أصبح حلما لازال يتجدد كل يوم مثلهم مثل أهل قرى : بينٍ زائد، كولونيا، القسطل وصوبا وصولا لسرييس وبيت محسير و العمور.  أخيراً وجدت القدس بأركانها هنا القدس! هنا القدس!

منها رأيت الساحل وتنشقت نسيمه حيث رأيت البحر شمالاً وبيت محسير ونطاف، وغرباً داعبت عيناي قرية بيت عطاب، أينما نظرت رأيت القدس .. يجول في خاطري أن أعرف عدد القرى التي طمست في وسع مدى بصري.

مررت بمحطة قطار القدس-يافا المبنية في أواخر الحقبة العثمانية. بين الشارع و السور مجموعة من أشجار الصنوبر سرت بمحاذاتها لمدة عشر دقائق لتتجه زاوية نظري لحي سلوان ولمع في عيناي شعاع الشمس الذي يداعب قمة جبل الزيتون اسم لم يبق على مسماه نظرا لنمو القبور مكانها (قبور اليهود) ، التي تسببت باقتلاع العديد من أشجار الزيتون ، لينمو عوضا عنها قبورا بأصل يهودي ، أدت الى تغير ملامح المكان و جوفه فلم يبق من أصلانيته الا اسمه .من هناك إلى جبل الطور ومن باحات مستشفى اوغستا فيكتوريا رأيت أغوار فلسطين، أريحا، جبال الأردن وربما رمال النقب و مدينة رام الله، لأختلي هناك وأعود بتيار الوعي إلى معرض” فلسطين من الأعلى” منتصبةً أمام لوحتين لذات المكان بألوانٍ وأماكن مختارة لأصنع لوحتي بخيال فتاة لم يسبق لها رؤية القدس اطلاقاً.

حقيقةً، لا أعرف أياً من هذه الأماكن والقرى المذكورة ولم يتسن لي رؤيتها من قبل. يؤسفني أنني أكتب عن وطني وأنا لم أره اطلاقاً سوى في بضع من الصور والبرامج التلفزيونية. فعلى الرغم من بساطة اللوحة والمشهد المرسوم فيها مادياً إلا أنها تأخذنا برفقتها لزيارة مقدسة أبعد مما كنا نتصور. بعيداً عن الأقصى و القيامة وأقرب إلى التاريخ، حكايا الأرض والناس بكروم العنب و الزيتون. لنلون صورتنا وقدسنا الخاصة بألوان تليق بذهبية قبتها. وأنا منتصبة أمام لوحة صوفي حلبي خلت نفسي أحتسي كوبا من الشاي عند باب العمود و أطرب على صوت بائع الكعك الذي يجول في حارات القدس، أصوات البائعين بامتزاج رائحة البهارات وعبق المكان بسوقه يخلق لحناً أصيلاً لا يسعك الا أن تضحك ، تبكي وتدبك تتمايل على أنغامه باختلاط مشاعرك .

فعلى الرغم من سعينا الدائم لحفظ التراث، المكانة التاريخية و الدينية أو حتى المبادئ الوطنية المتبوعة بنهجٍ حيوي وحياتي لرسم صورة القدس من زاوية مختلفة، نسعى أن تكون حقيقية و تعكس الواقع بكل تحركاته و جموده، إلا أن الحقيقة الفعلية لا يمكن عكسها بشكل كامل ومسك كل الخيوط و حياكتها بزهي و جمال، من دون عكس صورة الاستعمار الكامنة خلف جل رموزنا التاريخية و الثورية والتي كانت واضحة بشكل ملموس و حقيقي في كل الهياكل الصورية المعكوسة على الجدران، بالاستناد الى أشباه الواقع والتي خلدها الاحتلال في أذهاننا بشكل لا واعي؛ بأن “القدس غربيه كانت أم شرقيه هي جزء من كيانهم وأن القدس الحقيقية هي القابعة خلف سور القدس وأبهموا الوعي واختزلوا الحقيقة كذلك فأصبحنا نبحث عن ما هي  وكيف هي القدس؟! حيث برز هذا الاتجاه بعكسهم لصورتها و الرسومات الموضحة لهيكلية المدينة ببروزها الحضري في الأقصى، قبة الصخرة و القيامة، متجاهلين حقبتها التاريخية وأصلانية المكان الشاملة لكل قراه وحكايا الأرض و الشعب قبل عام 1948. فالقدس بامتدادها التاريخي والحقيقي تختلف بكل المقاييس عن القدس المستشرقة الطامسة لجوهريتها و قيمتها الوجودية. الخارطة الأصلانية التي رسمها الكاهل بحماره والأسواق المعتقة برائحة التاريخ و ثمار فلسطين ماهي الا تعبيرا وانعكاسا لصورة قدسنا التي منها و اليها السلام يعود!