عن النشاط:

أقامت مؤسسة عبد المحسن القطان 4 ورشات لزملاء وزميلات الجيل الجديد التابعة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية ، بمشاركة 20 زميل وزميلة من جامعات فلسطينية مختلفة في مركز القطان الثقافي (رام الله). قدم الورشات كل من: مديرة متحف جامعة بيرزيت د. رنا بركات والأستاذ المشارك في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة بيرزيت د. أباهر السقا. و تمحورت الورشات حول معرض “فلسطين من الأعلى”، وكيفية قراءة هذا المعرض والأعمال فيه، من خلال التطرق إلى تاريخ الفن، والمتحفية، وقراءات سوسيولوجية مختلفة لهذه المواضيع. وكجزء من النشاط، أنتج الزملاء والزميلات عدداً من الكتابات حول المعرض.وتهدف هذه الورشات إلى تطوير وإتاحة انتاجات ثقافية من شأنها توسيع قاعدة الجمهور، وتحفيزه على التفاعل والفعل، وتعزيز بنية ثقافية، فنية وتربوية، حيوية قادرة على عملية إنتاج معرفة نقدية وتحريرية وإثرائها.


بقلم:
دارة الرفيدي (جامعة بيرزيت – فلسطين)

في تشرين الأول من العام الماضي قمت بزيارتي الأولى لمعرض مؤسسة عبد المحسن قطّان تحت عنوان “فلسطين من الأعلى”. في الحقيقة، لم يكن لدي الحماس الكثير لزيارة المعرض، وذلك يعود في جزء منه إلى عدم اهتمامي شخصيا بالمعارض عامة، أو لأكون أكثر دقةً في التوصف، فالمعارض ليست بمألوفة لدي، ولعلها ليست مألوفة لعموم المجتمع الفلسطيني، لكني في الحقيقة، وبعد زيارتي وجدتني مندهشة ومستفزة بذات الوقت مما رأيته عن تصورات وطريقة عمل العلماء والسياسيين المُستعمرِِين في فلسطين، كان من الواضح تماما تمرّس (الأعلى/المستَعمِر) في تشكيله لفلسطين وفق رؤية تخدم مصالحه ووجوده.

عن عدسة غريبة عنا تتجول في فلسطين

يستند المعرض إلى عرض وسرد تاريخي لوقائع استعمارية تاريخية مختلفة في فلسطين، منها ألمانية، بريطانية، صهيونية، واسترالية. هذه الوقائع  تمت روايتها بما يخدم مصالح استعمارية بحتة من خلال صور جويّة، وعبر دور علماء الاثنوغرافيا في “اكتشاف المكان”، و”هواية” وزير الحرب الصهيوني الأسبق موشيه ديّان في “جمع” الآثار الفلسطينية، علماً أنه أدعي أن هذه الأعمال تم تصويرها ببُعد “إنساني خالص”. بذات الوقت، يتضمن المعرض أعمالا فنية مختلفة لفنانين من الداخل الفلسطيني تعبّر عن (فلسطينهم) كما يرونها في مواجهة الأعلى/ المستعمِر بجميع عملياته الاستعمارية من سرقة وإعادة رواية تاريخ المكان عبر تقنية التصوير الجوي الاستعماري.

كان هناك عدّة قُمرات في المعرض؛ وهي عبارة عن غرف تُعرَض فيها أفلاماً تخدم موضوع المعرض. في القُمرة الأولى كان يُعرض فيلمان، الأول تحت عنوان “اصطياد مواقع التصوير في فلسطين” من إنتاج المخرج الأيطالي بيير باولو بازوليني في العام 1963؛ وكانت غايته من الفيلم تتبع مسار القديس متّى في الأرض المقدسة وفق ما تشكلت عليه مخيلته الدينية استنادا للرواية المسيحية الإيطالية عن فلسطين. يتوصل الفيلم لعدة استنتاجات أهمها، استثناؤه للصراع القائم في فلسطين، واعتماده على تصوير المشاهد الطبيعية بمعزل عن العنصر البشري؛ وعدم حضور المسيحيين الفلسطينيين الذين يسكنون المناطق التي صورها المخرج، ومع ذلك يكتفي بوصفهم بالبسطاء والفقراء والضالة، مقارنة باليهود المتحضرين والمواكبين “للدولة الحديثة” التي زارها. ذات الثنائية الاستشراقية حول الغرب المتحضر والشرق المتخلف. أخيراً أنهى فيلمه بتعبيره عن خيبة أمله من زيارة أرض مقدسة تختلف صورتها التي في ذهنه مما هي على أرض الواقع.

وفي العام 2004 قرر أخوان من إيطاليا اتباع نفس مسار الفيلم كمحاولة لتصوير المشاهد من زاوية أخرى، ربما من الداخل، وظهر الفيلم تحت عنوان “بازوليني في فلسطين”، حيث ركّز الفيلم على العنصر الأساسي والذي تم تهميشه في فيلم بازوليني “اصطياد مواقع التصوير في فلسطين” ألا وهو الناس أنفسهم، من منطلق أهمية رواية التاريخ من وجهة نظر أصحاب الأرض لا غيرهم. هذا ما عرضته القمرة الأولى.

جولة سياحية في الأرض المقدسة

أثناء تحضيري لهذه المقالة القصيرة وقعت على كتابٍ  نُشِر في العام 2016 للكاتبة الأوروبية اليهودية “جاكي فيلدمان” والتي درست التوراة أثناء تحضيرها لنيل درجة الماجستير. من أجل تدعيم دراستها، قررت فيلدمان العمل كدليل سياحي في القدس مع الحجّاج الأوروبيين المسيحيين، حيث يركز الكتاب على الدور الذي لعبته بكونها دليلاً سياحياً في أن تغدو “إسرائيلية” فيما بعد (Feldman 2016).

تعتمد الكاتبة في دليلها السياحي على الأسلوب ذاته الذي اعتمده بازوليني في فيلمه، فتعمل على خلق وتمثيل ما يشبه الفقاعة حولها وحول الحجّاج أثناء رحلتهم السياحية الدينية في القدس، والتي من شأنها مساعدتهم في عيش “التجربة المقدسة” لأرض المسيح بعيدا عن أية مؤثرات تربك الرحلة بفعل الصراع القائم. هذا من شأنه حسبما ترى أن “يحفز الذاكرة الجمعية التاريخية للسياح بخصوص المكان” (المرجع السابق، 17). واضح ان لا مكان للصراع مع المشروع الصهيوني لاستعمار فلسطين مكان في الذاكرة الجمعية لدى الكاتبة.

في مقاربة بين ما تناولناه أعلاه وبين تحليل تيموثي ميتشل للقاهرة، وتمثيل صورتها في كتابات الغرب المستعمِر، يطرح الأخير في كتابه “استعمار مصر” ملاحظاته حول معارض الأوروبيين عن مصر في القرن التاسع عشر، وقد قارب ملاحظاته استنادا إلى مفهوم الاستشراق لدى إدوارد سعيدحيث يصف هذه المعارض بكونها عملية تمثيل الشرق كما يراه الغرب في الدرجة الأولى، (ميتشل 2016، ص.25) تمثيل من شأنه تصوير المصريين بصور نمطية استنادا للمخيلة الغربية، والتي بدورها تبرر استعمارهم لهذا الشعب. يكمل متشيل ملاحظاته بكون المعارض الأوروبية في ذلك الزمان كانت منفصلة تماما عن واقع الأفراد أو الأماكن التي تمثّلها (المرجع السابق، ص.53). هنا تكتمل المقاربة: تمثيل فيلدمان لفلسطين يقارب ذات تمثيل الأوروبي الأبيض للشرق القاهري في تحليل ميتشيل.

فلسطين و”الأرض المقدسة” من الداخل

بالانتقال من الماضي للحاضر الفلسطيني أحضر انا كاتبة المقالة في غرفتي حيث أجلس على المكتب، وأنا أكتب هذه المقالة، ثالث أيام عيد الميلاد المجيد، من مدينة البيرة والتي تبعد حوالي 28 كم عن بيت لحم، مكان مولد المسيح حسب الرواية المسيحية، المسيح، تلك الشخصية التي منها، من مولده وحياته وتعاليمه وموته، بدأت الرواية المسيحية في فلسطين والدين المسيحي عامة، وصولا لمكان صلبه ودفنه في القدس، أو الأرض المقدسة والتي تبعد فقط 15 كم عن مسكني. كنت أتمنى لو أتمكن من اصطحابكم عبر هذه السطور في جولة إلى هذه المدينة والتكلم عن قداستها كما تم اصطحابي في المعرض، ولكني كشابة تحمل الهوية الخضراء وتعيش ضمن مناطق A، حسب التصنيف الجيو-سياسي الفسيفسائي لاتفاقية اوسلو، يمنعني الاستعمار من الوصول بسهولة وتوطيد علاقتي بها كما أحلم دائما. لذا، سأصطحبكم إليها بناءً على تجربتي الشخصية من بعيد.

ترجع بي أولى ذكرياتي عن هذه الأرض المقدسة، فلسطين، وأنا بعمر ال7 سنوات ربما، حيث كنت في ذلك الوقت عضوة في الكشافة، وكنا نحتفل بسبت النور، الطقس الديني ذا الطابع الشعبي، والذي يسبق عيد الفصح. كنا نخرج في استعراض كشفي يجوب شوارع رام الله يتضمن مشاركة عدة مجموعات كشفية من مناطق مختلفة من فلسطين التاريخية، وكنا عادة ننتظر في ميدان دوار المنارة حتى وصول ما يعرف بنور المسيح حسب الطقس الديني، والذي يخرج من كنيسة القيامة في القدس صباحا ليتم توزيعه على كافة الكنائس داخل فلسطين وعبر العالم. كنت أكره احتفال سبت النور في صغري. المشي لساعات تحت الشمس والانتظار حتى وصول النور ساعتين على الأقل،  بسبب إعاقة الاستعمار للأشخاص الذين ينقلون النور من القدس عند حاجز قلنديا. إضافة إلى هذا، عادة ما تقع اشتباكات مع شرطة الاستعمار في القدس حين تحد من دخول المصلين إلى كنيسة القيامة للصلاة والاحتفال كما رأينا في عيد الفصح لهذا العام (موقع trt عربي، 2022).

ذكرياتي الأخرى عن القدس تعود لعمر الرابعة عشر، عندما زرتها لأول مرة وفوجئت حقيقة بالقدس التي تخيلتها في ذهني، حيث طغت عليها ملامح الاستعمار بحلته (الحضارية) المصطنعة، شوارع مهندسة بطريقة منظمة وأشجار متوازية على طول الطريق. لا تفهموني بشكل خاطئ هنا، هذه جماليات أستمتع بها؛ ولكن ملامح الشارع والناس كانا غريبين عن المكان، وكأنهم يجبرون الانتماء اجبارا على المكان، وما كان قليلا حتى شرح لي أحد الكبار الذين كانوا يرافقون أنهم المستعمرين. كنت سعيدة أخيرا بالتجول قليلا في السوق القديم، ودخول كنيسة القيامة لأول مرة. بعد هذه الزيارة، لم أزرها إلا مرتين أو ثلاث، لأنني لا أمتلك التأشيرة “القانونية” التي تسمح لي بالتنقل والتجول وقتما أريد في فلسطين. قد أكون أعيش فعلا داخل فلسطين، وقريبة بالفعل من هذه “الأرض المقدسة”، لكن الواقع الاستعماري يفرض علينا علاقة ورواية خاصة جداً مع رموز الوطن الدينية المختلفة، علاقة أحاول بدوري تفكيكها هنا.

يعود بنا واقع القدس اليوم إلى قرار التقسيم 181 عام 1947 حيث تم اعتبار مدينتي القدس وبيت لحم منطقتين دوليتين يجب ألا تدخلا نطاق الصراع والتقسيم الاستعماري لفلسطين بسبب قداستهم الدينية. حقيقة، أشعر بنوع من الغضب من مصطلح “الأرض المقدسة”، وكأننا  نتعامل مع أرض لا يهم ما اسمها ولا يهم تاريخها وحاضرها الاجتماعي والسياسي، لا يهم الهوية الوطنية لتلك (الأرض)، ما يهم فقط أنها مقدسة. وعليه، يعزز هذا الطرح بدوره إلغاء البُعد الوطني للقدس باعتبارها عاصمة فلسطين ومدينة مستعمَرة كغيرها من المدن الفلسطينية، وتتوجه الأنظار والطاقات نحو القدس بتقديمها كمدينة ذات بعد ديني فحسب تفترق عن باقي مدن فلسطين.

هنا بالذات تكمن إشكالية التحدث عن القدس بمصطلح “أرض مقدسة” حيث يضعها في زاوية لا تحتمل زخم الواقع الاستعماري الذي تعيشه اليوم، ومحاولات التهويد الواضحة، وكأنها ذات كيان مميز يجب ابقائه خارج معادلة الصراع كما تحاول دليلة السياحة فيلدمان فعله.

تكمن قدسية القدس، وفلسطين عامة، بالنسبة لي على الاقل، بجميع محاولات أهلها على الاستمرار في المقاومة في حياتهم اليومية. وقداسة مدينة القدس تتجسد في النضال لحماية إرثها الوطني والحضاري وبضمنه رموزها الدينية المسيحية والإسلامية كمكون رئيس من هويتها القومية والوطنية. هذا ما يطمسه الغرب في روايته سواء تجسدت في فيلم أم في كتابة دليلة سياحية. إن هذه القداسة تتناقض والحال هذا مع  القداسة المجردة من واقع الاستعمار لتسهيل عمليات السيطرة والتهجير، هذه القداسة المجردة التي صوّرتها عدسة بازوليني عام 1973، والتي حاولت روايتها فيلدمان في رحلاتها السياحية، ومن قبلها قرار التقسيم 181. هكذا فقط ارى قداسة القدس وفلسطين خارج المصطلح الملتبس ( الأرض المقدسة)، مقابل (قداسة) تُخرج فلسطين من سياقها فتشوهها كما في رواية المستعمرين.