قَسَم الحاجّ (فلسطين) – ضحى عمارة (تونس)

 نركز هنا على طبق الكسكسي بسيرته المغاربية في تونس، وبمسماه “المفتول” بسياقه الشامي/ الفلسطيني ونبحث في  نشأة الطبق كثقافة مادية  تعكس لثقافة المجتمع واقتصاده الغذائي.

تُعرف المجتمعات  عمومًا و العربية بشكل أخصّ، بثقافات الأكل المتنوعة ، الموروثة من الأسلاف عبر التاريخ. و على الرغم من أنّ العديد من الأطباق العربية و لاسيما التونسية والفلسطينية منها ،  تعدّ قديمة جدًا إلاّ أنها لازالت تعبير   عن إرث ثقافي وحضاري عرفته المنطقة عبر الزمن.

طبق الكسكسي في المغرب العربي عمومًا، وتونس بشكل أكثر تخصيصًا، بقي صامدًا الى يومنا هذا على الرغم من ثقافات الأكل الوافدة من أوروبا و تغيّر أشكال و مواد الطعام الا أنّه لازال حاضرًا في المناسبات التونسية. و تؤكد الدراسات التاريخية التي تهتم بأصل هذا الطبق أن الكسكسي يعود الى فترة حكم [1]الملك الأمازيغي ماسينيسا (148 ق.م الى 238 ق.م) حيث عثر  على أواني طبخ هذه الأكلة في مقابر تعود لتلك الفترة من الزمن .فأي حضور اليوم للكسكسي في المناسبات التونسية ؟ و ما مدى صمود هذا الطبق أمام عولمة ثقافة الأكل ؟

تعتبر أطباق الطعام في العالم العربي و تونس منها الثقافة المادية المتوارثة عبر الزمن كما  أنّها تعبير عن خصوصية و ثقافة المجتمع حيث تتخذ الأطباق طابع اجتماعي و ثقافي بعيدا عن كونها تلبية لحاجة الجوع و خصوصا عند المناسبات ، فإنّ طبق الكسكسي في تونس يصبح رمزا اجتماعيًا و طقسًا من طقوس العبور من مرحلتين مختلفتين اذ  يُعتمدخصيصًا في وليمة الوفاة و وليمة الأعراس بالتالي يأخذ طبق الكسكسي معانيَ اجتماعية مختلفة و ثنائيات متضادة كثنائية الفرح و الحزن. و كما هو جدير بالذكر أن هذا الطبق لا يمكن أن يطبخ الا باللحم في هذه المناسبات بغض النظر عن الانتماء الاجتماعي و الاقتصادي للأفراد، زد على ذلك أنّه يتم طبخه عامة بأيادي نسائية فالمرأة عادة ما تضطلع بأدوار المطبخ. و في ثقافة الفرد التونسي فإنّ المرأة هي الوحيدة القادرة على إعداد هذا الطبق من دون الرجل على الرغم من أن اعداد الطعام ليس حكرًا على جنس دون آخر و لكنه اتخذ طابعا جندريا في بعض المناطق و الثقافات التونسية و هنا علينا التنويه الى أن المجتمع التونسي ليس مجتمع متجانس على المستوى الثقافي فلكل منطقة مجال ثقافي و طقوسي تتصرف ضمنه كما يقال في المثل التونسي الشهير “كل بلاد و أرطالها” يعني ذلك أن لكل مجتمع تونسي مصغر عادات و تقاليد تمثله .

و لكن اليوم و مع اقتحام العولمة كل مواطن الحياة الاجتماعية و الثقافية للأفراد في جميع المجتمعات الانسانية و العربية منها هل يمكن للأطباق الشعبية المتوارثة من أسلافنا عبر التاريخ أن تصمد أمام هذا التيار الجارف لكل ماهو ثقافي و هوياتي صلب وثابت ؟ هل يصبح طبق الكسكسي التونسي مجرد ذكر في تاريخ الأكل في مجتمعنا ؟

يجب التنويه دائما الى أن الثقافات في تونس غير متجانسة بالمرة كما أشرنا في موضع سابق بالتالي و على الرغم من هذا التغير على مستوى ثقافة الشعوب يبقى طبق الكسكسي حاضرًا في المناسبات التونسية و لكن الى أي حد؟

لقد بقي هذا الطبق متأصلًا في المجتمعات الريفية التونسية دون غيرها من المناطق المتمدنة فهذه المجتمعات تذهب أكثر الى الحفاظ على أصالتها و عاداتها و تقاليدها من الاندثار و بالتالي فان الكسكسي بما أنه موروث ثقافي مادي سيبقى صامدا أمام التغيرات الاجتماعية التي دعمتها وسائل الاتصال الحديثة حيث أصبح الطعام يأخذ بعدًا جماليًا بامتياز و أنماطًا مبتكرة في التقديم و التنويع. هذه الأنماط أصبحت اليوم حاضرة بكثافة في مائدة العديد من الفئات و المناطق التونسية بجميع انتمائاتها الاقتصادية و الاجتماعية حيث يصبح التنويع في الأكل و ادخال بعض الأطباق الأجنبية على المائدة التونسية و خاصة في الضيافة أو المناسبات ضرباً من ضروب التباهي و التحضر لدى الأفراد كما أن المائدة تتحول ضمن هذا السياق الى صورة على مواقع التواصل الاجتماعي تسمع لصاحبها بالتباهي أمام المتابعين.

أما عن طبق الكسكسي بسياقه الفلسطيني فيتبدّى أنه طبق وافد من الشقّ العربي المغاربي، فيسمى بال”مفتول” نسبة إلى طريقة تصنيعه التي يتم فيها تدوير، وفتل أو لفّ كرات الدقيق أو البرغل بعد بلّها بالماء والطحين وتدويرها بطريقة دائرية على المنخل أو الغربال، وهو أداة مخرمة، أو مغربلة (عبارة عن شبك بثقوب متوحدة الحجم)، و متعددة الأحجام تستخدم لأغراض تصنيع المؤونة والغذاء أو تنقية الحبوب من الشوائب. وتتميز كرات المفتول الناتجة بعد هذه العملية بطريقة يدوية، بالأصل، ودقيقة والمضنية، بأنها ذات حجم موحد كلّها. وكلّما توحدت حبات المفتول، كلما كان صانع/ ة المفتول أكثر مهارة.

وقد وفد هذا الطبق لبلاد الشام عن طريق التبادل الثقافي بين الثقافات المتعددة. وله مسميات عدة تتنوع بين تسمياتها في المشرق العربي، إذ تشمل هذه التسميات: بحبثون، ومرمعون، وبسبسون، وكيسكسون، ودحيرجه، والمغربية. [2] وفي بعض المناطق توضع المكونات في قدر نحاسي وتلّف او تفتل بذات الطريقة الدائرية حتى تتكون حبيبيات صغيرة إلى صغيرة جدًا من الدقيق المكوّر والمغلف بالطحين لئلا تتماسك الحبيبات المتجاوة معًا.

أما عن طريقة طهوه فتختلف من منطقة إلى أخرى ومن مدينة إلى الثانية، تبعًا لأذواق المنطقة المعنية أو لعاداتهم الغذائية. وبالتالي فإنّ طبق الملفوف على سبيل المثال يُضاف له الصلصة الحارة في قطاع غزة، فيما يضاف له القرع والزهرة والجزر في منطقة نابلس بينما يتم “تهبيل” المفتول نفسه على البخار بعد إضافة المنكهات له.

ولا يمكن التحدي الدقيق لأصل توافد هذا الطبق على بلاد الشام من المغرب العربي، وقد يكون بعض الأسباب تعود للسياسة والاقتصاد السياسي دور مهم في هذا الترافد الثقافي بين الأطبق الغذائية المتشابهة واستنساخها في مواقع خارج بلدها الأم. وقد يكون للدولة العربية في الأندلس قبل انهيارها في اواخر القرن الخامس عشر، دور هام في هذا التناسخ في الأطباق الغذائية.

تحمل الأطباق الغذائية في بلد ما بعضًا من حمولة سكانها وعاداتهم الغذائية وأنماط معيشتهم واقتصادهم الغذائي، بحيث تتكيف الأطباق وطريقة طهوها مع نمط امعيشة السائد. وفي ظل العولمة تتداخل أطباق البلدان المختلفة وتتأثر بعضها ببعض لكنها وفي نفس الوقت تعود أيضًا وتتكيف مع الثقافة المحلية بتعديلات معينة عليها تتلاءم والسكان. فمثلًا في تونس فإنّ حبات “الكسكسي” ناعمة جدا وتضاف لها الصلصة الحارة وتطهى مع اللحم. أما في فلسطين فحبات “المفتول” أكبر حجمًا من نظيراته في الطبق التونسي، ولكنها تبقى بمعدل الحبات الصغيرة، ويقدم الطبق عادة مع الدجاج وليس اللحم. وفي فلسطين هو طبق أقلّ شعبية من غيره من الأطباق ويطهى عدة بالشتاء لأنها بمكوناته يمنح الدفء.

بين الكسكي والمفتول، هناك الكثير مما يقال ومنها أنّ الأطباق الغذائية تتلائم مع طبيعة المنطقة التي تنتشر فيها؛ الطبيعة المناخية وطبيعة المنتجات الغذائية التي تشتهر فيها المنطقة كنتيجة للمناخ وطبيعة التضاريس ونتيجة للهندسة الغذائية المعتمدة في المنطقة. كما وتقول الكثير عن أذواق ساكنيها وعاداتهم الغذائية وأنماط استهلاكهم. والطعام كجزء من الثقافة المادية لمجموعة بشرية ما، هي أيضًا جزء من هوياتهم المتعددة، وربما هي جزء محرك لهوية جماعية لهم كطقوس الغذاء وطقوس الاستهلاك، وأيضًا للاقتصاد السياسي للبلد ذاتها.

لم يعد الطعام في مجتمع الألفية الثالثة و خصوصًا في المنطقة العربية وسيلة لسد الجوع اذ اتخذ طابعاً اجتماعياً بالأساس بعيداً عن طابعه البيولوجي و خصوصًا مع الانتشار الواسع لوسائل الاتصال الحديثة التي تسمح بتمرير الأطباق الوافدة للأفراد اذ أصبح الفرد يبحث عن ما يشبع حاجياته الاجتماعية مثل التفاخر بهذه الأطباق و عرضها على المنصّات الاجتماعية المتعددة في محاولة لتثبيت نمط هوياتي معين لصيق بهوية الجماعة. ولكنها هويات، ولكنها جماعات، تعبر كل منها عن نفسها بتعديلاتها وإضافاتها على الطبق، وبابتكار الطبق بشكل أساسي.


[1] ويكيبيديا

[2] https://www.alhadath.ps/article/93945/%D8%A3%D9%83%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%D8%A9%D9%85%D9%81%D8%AA%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AA%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D9%84%D8%A3%D8%BA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1  (استرجع بتاريخ 12 تموز، 2022).