داره رفيدي (فلسطين) – أحمد خليفة (مصر)

مقدمة

إن الطعام بحد ذاته هو تجربة إنسانية فريدة لا تنحصر ضمن وظيفته البيولوجية؛ وإنما تتعداها لتشكل وظائف أخرى تتعلق بمسائل الهوية الفردية والجماعية والشعور والإدراك، وكأن الطعام قد اندمج في شتّى مظاهر الحياة ليجري إعادة تكييفه مع البيئات الاجتماعية والثقافية والنفسية والسياسية التي تعيش فيها الأفراد والجماعات (,Sheperd, Raats 2006)، ومن ثمّ أضحى تعلقنا بالطعام يعرّفنا كأشخاص وكجماعة وكثقافة.

من هذا المنطلق يهتم هذا المقال في العلاقة ما بين الغربة والطعام، والطريقة التي تتم بها عملية إعداده في الخارج، وتأثيراتها النفسية والاجتماعية في شخصية المغترب ورؤيته للبيئة الجديدة (الوافد عليها)، وذلك عن طريق استعراض تجارب وحكايات فلسطينيين ومصريين خاضوا تجربة تناول الطعام في الخارج، بدءً من مرحلة إعداده وتناوله، مرورًا بأفكارهم ومشاعرهم حيال الطعام بين الغربة الوطن؛ وانتهاءً ببيان الكيفية التي خرج بها هذا الطعام عن وظيفته الفسيولوجية إلى وظائف أخرى تواسي وتتكيف مع الغربة والاشتياق والحنين للوطن الأم.

نحاول في هذا المقال، مع الاشخاص الذين تمت مقابلتهم، الإجابة على عدة تساؤلات وهي: لماذا الاهتمام بالطبخ وتناول الطعام الوطني في الخارج؟ ما الاختلاف بين تجربة تناول وإعداد الطعام في الداخل (الوطن) والخارج (الغربة)؟ ما التأثير الصحي والنفسي والاجتماعي للطعام؟ كيف يسهم الطعام في النظر إلى المجتمعات الجديدة؟

المحور الأول: الطعام بين الداخل والخارج

يتناول هذا المحور مقارنة بين تجربة تناول وإعداد الطعام في الدخل (الوطن) والخارج (الغربة)، فيوضح في البداية معنى الوطني في سياق الحديث عن الطعام، ويدرس وجود المطاعم التي تقدم الوجبة الوطنية في الخارج ودورها، كما يبحث في الكيفية التي أثر بها الطعام على نظرة الوطني لثقافة المجتمع الجديد الذي يعيش فيه.

أولًا: ماذا نعني “بالوطني” عند الحديث عن الطعام؟

يتميز كل بلد بأطباق خاصة تتعلق بجغرافية المكان، وما يمكنها تقديمه من مواد ومصادر غذائية، وطريقة مزج عناصر الغذاء من لحوم وتوابل وغيرها؛ لتقديم نوع مميز من الوجبات، في مقابلتنا للأشخاص من أجل غرض هذا المقال أطلعونا على عدة أطباق يروونها تمثّل مطابخهم، ولطالما شكلت جزء كبير من تجربة الغربة لدى هؤلاء الأشخاص، فمن الوجبات المصرية: الفول والفلافل، والكشري، والحمام المحشي، والمسقعة، والملوخية بالأرانب (,Zubaida 2006)، أما الوجبات الوطنية الفلسطينية فيُذكر منها: الدوالي، الفريكة، الكشك، المقلوبة والفلافل.

استخدم بعضًا من الذين أجرينا مقابلات معهم مسميات عدة لوصف الطعام الوطني، فالوطني عادة مرادف للوجبات الشعبية “الي بنكلها كلنا” أو “أكل البلاد”، والتي تمثل جزء أساسي من وجباتنا اليومية، إذ يقول “فهمي” مثلًا أنها: “وجبات بتعبّر عن مصر والمصريين”، وبالتالي ربطها بالوطن بشكل مباشر، وهذا ما عبّر عنه “نادر” أيضًا في وصفه للأكل الفلسطيني فعبّر متحدثًا باللغة الانجليزية “Food of the بلاد”. ونحن نراها كذلك، فالوطني والمرتبط بالوطن هو أكلٌ ما يرتبط بتلك البلد. لكن في معنى مختلف للوجبة الوطنية فقد عرّفها “بسيوني” بأنها: “الوجبة الي بنتلم حوليها، الوجبة الي بتجمعنا”. وتعطي “فاطمة” معنى إضافي للوجبة الوطنية فتعرفها على أنها: “الحاجات الي اتربيت عليها”، والتي غالبًا ما يكون لهم طعم خاص في مصر. كما ظهرت التجمعات حول الطعام عامل مشترك بين تجربة الفلسطينيين الذين قابلناهم باعتبارها أهم ما يميز المطبخ الفلسطيني، أي الوطني، وفي مرحلة لاحقة في المقال سنناقش هذه المواضيع بشكل موسّع.

ثانيًا: المصادر الغذائية الوطنية في الغربة بين المطاعم والمحلات تجارية

إن تواجد المطاعم الوطنية في الخارج يرتبط بسياقات مختلفة، منها ما يتعلق بالبيئة الاجتماعية والثقافية. في هذا السياق أوضح “فهمي” أن المنطقة التي يعيش فيها في السعودية “منطقة بدوية وليست حضرية؛ ثقافتهم منغلقة، أما في المدن الكبيرة تجد أنهم يفهمون اللهجة المصرية، ولديهم معرفة بالوجبات المصرية”، وبالتالي لا يوجد إلا مطعم مصري واحد يقدم الأكلات الشعبية المصرية: الفلافل – البطاطس – البيض، وهذا المطعم لا يقدم الفول المعتاد في مصر، ولا يوجد “زيت حار” (أحد أنواع الزيت التي توضع على الفول، ويعطي له طعم خاص، ويشتهر به في بعض مناطق مصر).

بينما يرى “بسيوني”، ولأن تجربته مختلفة في الإمارات وفيها تنوع من حيث الجنسيات، حيث هناك وجود أكبر للمطاعم المصرية (الفول والكشري، وغيرهم من الأطباق)، وكانت “حسنة السمعة” على حد تعبيره، إلا أنه لم يجد فيها الفلافل المصرية والتي تتكون من الفول بشكل أساسي، فكان يتم إعدادها من الحمص وهي الطريقة الفلسطينية لإعداد الفلافل. تشترك “فاطمة” في ملاحظتها أيضًا، أنها لم تكن تجد في الهند سوى فلافل الحمص، والتي كانت تقدم على الغذاء فقط، وتعتقد “فاطمة” أن الوضع الاقتصادي للبلد، والتعدد الثقافي من حيث الجنسيات، يلعب دورًا مهمًأ في تنوع المطاعم وتوافر مكونات الطعام الوطني، فكانت تجد خيارات مصرية في المحلات التجارية في الهند، إنما في تشاد لم يكن هناك أصلاً خيارات مصرية، كما لم يكن هناك مطاعم وطنية مصرية؛ لأن تنوع المطاعم كان نادر لدى التشاديين، ومع ذلك كان هناك مطعم سوري والذي كانت تفضل شراء الطعام منه.

ذهاباً إلى فلسطين، فإن تجربة “ليديا” الأم والزوجة والجدة مختلفة مع وجود المطاعم، والبحث عن مصادر غذائية فلسطينية، إذ توسعت وتطورت أكثر في إعداد الطعام في الغربة من وقت زواجها، أي قبل حوالي أربعين عاما وأكثر. فالنساء سابقًا كنّ يعتمدن على شحن المواد الغذائية من فلسطين وتذكر أهمّها “الزيت” “الزيتون” “الفريكة” “الكشك”، لأنها نادراً ما وجدت مواد غذائية فلسطينية ولكن مع تطور الحياة والتجارة بات هناك الكثير من المحلات التجارية التي تبيع مواد غذائية مرسلة مباشرة من فلسطين ما جعل مهمة إعداد الطعام الفلسطيني في الولايات المتحدة أسهل لها في الوقت الحالي.

تتكلم إحدى الأبحاث في هذا السياق حول الطعام والشتات، وكيف أن الانتقال يؤثر على عادات الطعام لدى الناس (,Mintz 2015)، ولكن لنذهب أبعد من هذا ونقول أن الانتقال يؤثر على علاقتنا بوطننا وهويتنا، فقد عبّر “نادر” عن ذلك بطريقة مختلفة عند عودته إلى سنتين محوريتين في علاقته مع المطبخ الفلسطيني وفلسطين عامة، الأولى: عام 1995 حيث زيارته الأولى لفلسطين والثانية: عام 2018 حيث زيارته الثانية. “نادر” الذي سكن طيلة حياته في الغربة، حيث ناقش بشكلٍ خاص مدى أهمية وصّحية الأكل الفلسطيني، فيقول إنه في فلسطين يشعر بأنه يأكل أكل طبيعي وعضوي لا مصطنع، وذلك بخلاف ما يشعر به عند تناول الطعام في الولايات؛ ولعل هذا ما يميز تجربة تناول الطعام في بلده والتي جعلته لا يحبذ المطاعم الفلسطينية في الولايات وإنما إعداد الطعام بنفسه. كما ذكرت “منى” ذات الشيء في حديثها عن السّلطة الفلسطينية أو “المقلوبة” في المطاعم الفلسطينية في الغربة مقابل في فلسطين لأنها دائمًا كانت تشعر أن الخضار المستخدمة في الوجبات ليست صحيّة كالتي في فلسطين، ما جعلها لا تحبذ أن تطلب الطعام الفلسطيني في الغربة.

كخلاصة لهذا المحور، يمكن النظر إلى الطعام  باعتباره منظار أو عدسة نظر خلالها “المغترب” إلى ثقافة المجتمعات الجديدة؛ إذ نرى كيف أن للطعام دور أساسي في فهم ثقافات المجتمعات التي عاش فيها هؤلاء الأشخاص، وتقبلهم لواجباتهم الوطنية (الوجبات التي تُقدم فيها)، فقناعة “فهمي” بشأن السعوديين في منطقته تقريبًا 90% من أيامهم يأكلون الكبسة، وأن المطاعم لا تقدم سوى هذه الوجبة، جعلته يقول إن ألفتهم للثقافات الأخرى محدودة، بينما رأى “بسيوني” أن الإمارات بلد مركبة، بثقافات مختلفة، من الصعب أن تجد لهم وجبة وطنية، ومع ذلك يمكن اعتبار المندي والرز البسمتي على أنه وجبة شائعة هناك. وتبدو ملاحظة “فاطمة” من تجربتها لتناول الطعام في الهند وتشاد جديرة بالاهتمام في هذا الصدد، فهي اعتبرت أن التشاديين ليس لديهم ثقافة طعام (أكلهم ماسخ ما بيحطوش توابل على الأكل)، وهو ما جعلها تشعر من عادات تناول الطعام والمائدة الخاصة بهم أنها رغم كل المشتركات الثقافية مع التشاديين (الدين الاسلامي واللغة العربية) كان الاختلاف كبير وشاسع بينهم وبينها، بخلاف ما رأته في الهند أن تجربة تناول الطعام فيها شبيهة بمصر، من حيث اجتماعهم حول مائدة الطعام، ووجود عناصر ومكونات المائدة (المقبلات – الأطباق الرئيسية – التوابل – المشروب – الحلويات).

المحور الثاني: إعداد الطعام وتناوله في الغربة من منظور نفسي واجتماعي

يحاول هذا المحور أن يبحث في الأسباب التي تجعل الأفراد ينخرطون في إعداد الطعام خارج أوطانهم، وفي تجارب التأثيرات النفسية والاجتماعية والشخصية لتجربة إعداد الطعام في الخارج، وذلك في محاولة للإجابة على عدة تساؤلات وهي: لماذا يهتم الأشخاص بإعداد الطعام خارج بلدانهم؟ وما الاختلاف بين تجربة إعداد وتناول الطعام بشكلٍ فردي أو جماعي؟

أولًا: لماذا يهتم الأشخاص بإعداد الطعام خارج بلدهم؟

لنبدأ من الولايات المتحدة الأمريكية حيث نسبة كبيرة من الفلسطينيين يعيشون هناك، ولهذا أُسست نوادي فلسطينية منذ زمن تهدف الى جمع هذا المجتمع في مساحة تعبّرعنهم ويعبّرون عنها، تركّز على العاملين الاجتماعي والثقافي بشكلٍ أساسي. ومن هناك تبدأ رحلة “ليديا” والتي تنحدر من عائلة أبيها الفلسطيني وأمها اللبنانية. تزوجت “ليديا” في عمر 19 سنة وانتقلت من فلسطين للاستقرار في الولايات المتحدة، حيث ذكرت أنها لم تكن تعلم كيف تعد الطعام، وذكرياتها عن الطعام تأتي من تحضير الطعام من قِبل العائلة، فبسبب دراستها في مدرسة داخلية لم تضطر يومًا ما حتى زواجها إلى تعلم الطبخ. ولكن عندما انتقلت إلى الولايات -وكانت مضطرة لذلك- كان هناك ثلاثة مصادر أساسية ساعدتها على تعلم تحضير الطعام الفلسطيني أولهما: كتاب طبخ أهداه لها أخو زوجها عند زواجهما، وثانيهما: تعليم أخت زوجها لها، وأخيرًا: النادي، حيث كان النادي يوفر مساحة للنساء والشابات الفلسطينيات في عمرها، واللواتي تغربن عن بيوتهن ووطنهن لتبادل الخبرات بشأن الطعام وتحضيره، والمرتبط بعامل اجتماعي يُعنى بتشكيل علاقات وروابط بين المغتربين في المنطقة؛ وكأن تحضير الطعام كان عامل اجتماعي أساسي ساعد “ليديا” على الشعور بالاستقرار في المكان الجديد.

في المقابل، تباينت دوافع المصريين لطبخ الوجبة الوطنية في الخارج، ففي حين رأى “فهمي” أنها أكثر صحية وتنوع من الطعام الشائع في مكان إقامته، فرأى أن المطاعم عنده تقدم لون واحد من الوجبات، وتستخدم كمية زيوت كبيرة، وفيه مكروبات كثيرة، وأن المداومة على تناوله قد تؤدي لأمراض عديدة، فالطبخ ارتبط في تجربة “فهمي” بتحقيق ميزتي التنوع والطعام الصحي، كما نفى أي وجود لأهمية تقليل التكلفة للطبخ في الخارج، فمكونات الطعام التي يشتريها مرتفعة التكلفة، وقد أكد “بسيوني” على هذه النقطة أيضًا، مع إضافة أن مبرره لإعداد الأكل الوطني، هو رغبته في الاعتماد على نفسه، ونقل النموذج المعتاد عليه في الطعام إلى البلد الجديدة، انطلاقًا من أنه لا يحب التغيير. أما “فاطمة” فكانت تجربتها أكثر ثراءً، ففي حين أنها لا تجد أي مشكلة في تجربة الأطعمة المحلية وحتى العالمية في البيئات التي تذهب إليها، لكنها وجدت في تجربة طهي الطعام الوطني -رغم أنها لم تكن معتادة على ذلك في مصر- تعميق للانتماء وتعزيز “الملكية والذاتية” (Ownership). ولكن فيما يخص تجربتها في تشاد، كانت فاطمة تطبخ وفقًا لنموذج البقاء (Survival Mode)، إذ كانت تحاول أن تقوم بعمل أقل الوصفات كلفة من حيث الوقت والجهد.

قد نرى هنا تشابه بين تجربة “فاطمة” المصرية و”منى” الفلسطينية، فتذكر “منى” أنها نادرًا ما أعدت الطعام في فلسطين، فأمها كانت تتصدى دائمًا لهذه الوظيفة، وحتى عند غربتها لمدة عام للدراسة لم تكن تعد الطعام لنفسها واعتمدت في الغالب على الطعام الجاهز. لكنها اكتشفت لاحقًا في الغربة متعة خاصة في إعداد الطعام لزملائها في السكن والجامعة فتقول: “كنت أحب أعمل لهم أكل فلسطيني، هيك بحس بشعور الفخر لما أعمل وأشوفهم مبسوطين وهم باكلوا بأكلنا”.

ثانيًا: تأثير الانخراط في الطبخ في الخارج

الانخراط في الطبخ خاصةً في الخارج له تأثيرعام في الشخصية وفي مواقفها، تحديدًا اتجاه العملية نفسها، والأعمال والمنزلية عامة، فبينما كان “فهمي” يعتقد أنه يمكن النظر إليها بتهاون، ولكنه عندما انخرط فيها وجد أنها فعلًا “مسؤولية” و”مسؤولية مش سهلة”، وهو ما جعله يعيد التفكير في السيدات اللواتي يعملن خارج المنزل وداخله في نفس الوقت، أي بإشارة للعمل المنزلي غير مدفوع الأجر، ويضرب على ذلك مثال بوالدته، والآن يجد نفسه يفكر في هذه المعادلة الصعبة، التي “لم يكن يعرف كيف كانت تحققها”، وقد تتشابه قصته مع قصة “نادر” فغالبًا ما تتمحور ذكرياته حول الطعام الفلسطيني مقترنةً بالنادي والتجمع حول الطعام المتواصلة في المنزل، والتي جعلته على تواصل مع المطبخ الفلسطيني منذ الصغر؛ هذا التواصل الذي ساعده في إتقان مهارة الطبخ لاحقًا في حياته عند استقلاله عن والديه وعيشه لوحده، والذي يراه عامل يميز شخصيته كرجل بالغ فلسطيني غير متزوج في الولايات المتحدة.

بينما صرّح “بسيوني” أن تجربته في الطبخ جعلته يكتشف أنه “مبيعرفش يطبخ .. وأن الموضوع طلع محتاج دقة وتركيز، ومش سهل، وطلع محتاج تخصص”، كانت “فاطمة” على النقيض تمامًا فتقول: “شائع إن البنت الي مش في المطبخ من صغرها، بالطبيعة هتبقي ما بتعرفش تطبخ، هذه الفرضية أنا تحديتها، كنت متخيلة إني مبعرفش أطبخ، لكن لما بقيت لوحدي، واتحطيت في موقف إني أطبخ، اكتشفت إني بعرف أطبخ كويس جدًا رغم أني مكنش معايا الوصفة أو ماشية على وصفة معينة.” وأكدت أنها من البداية، حتى قبل أن تنخرط في عملية الطبخ في الخارج، وهي تقدر العمل المنزلي وتعرف مدى مشقّته بصفة عامة.

ثالثًا: التجمع حول مائدة الطعام

تتكرر سيرة التجمعات (جمعات) حول الطعام بين الأشخاص جميعهم الذين تمت مقابلتهم، فتتذكر “ليديا” الحياة في فلسطين قبل عام 1967 عندما كانت الحدود بين البلاد مفتوحة، وكل يوم جمعة كانت عائلتها من لبنان تأتي لزيارتهم في فلسطين وتنهمك النساء طيلة اليوم في إعداد الطعام الفلسطيني واللبناني، فتذكر أهمها “الكبة النيّة” “التبولة” والدوالي” وبالنسبة لها: “أحلى ذكرياتي جمعات الأكل وأنا صغيرة، كلنا نبقى مع بعض”، ولعل هذا ما جعلها تنقل عادة تجمعات الطعام إلى حياتها الزوجية ومع أحفادها الآن كطريقة للعيش المستمر للماضي الجميل وإبقاء الهوية الفلسطينية – العربية حيّة برغم الغربة.

إن أهمية تجمعات الطعام في تشكيل الذكريات والحاضر (للفلسطينيين) وأثرها على الجانب النفسي والاجتماعي الفردي منه والجمعي نراها جزءًا حيًا من ذكريات “نادر” أيضًا، حيث كل يوم أحد في ذاكرته كان عبارة عن وقوف أبيه الراحل خلف ماكينة الشواء وأمه في المطبخ تُعد السلطات والمقبلات الفلسطينية، فأيام الأحد هي التي جعلته يدرك قيمة العائلة وقوة الطعام وتحضيره في ترابطهم معهم، ويظهر لدينا هنا أهمية عملية إعداد الطعام بذاتها ودورها في ترابط المجتمع (Goody ,1982)

أفادت “منى” في تجربتها في إعداد الطعام لزملائها في الدراسة في الخارج وتحضيرها للتجمعات والذي جعلها تشعر بالقرب من فلسطين وهويتها فوصلت لاستنتاج في نهاية المقابلة “أن الطعام والأكل الجماعي يخلق نوعا ما من الترابط (bonding) بين الجميع على المائدة والذي يعكس هويتنا”، فالطعام في نهاية الأمر هو هوية بحد ذاته بالنسبة ل”منى”، ولو أنها لم تكن قبل الغربة مدركة لهذا الشيء.

أما “فاطمة” فتكلمت عن تجربتها رفقة خمس مصريات في إعداد الكشري المصري والمسقعة، والتجربة الجماعية للطبخ والأكل، ووصفتها بالممتعة، وهو ما لم يتوفر لها في تشاد التي كانت دائمًا ما تأكل بمفردها، ولكنها شاركت تجارًا مصريين مائدتهم أكثر من مرة هناك، وكان لديها شعور مختلف تمامًا عن شعور الأكل بمفردها. وفي هذا السياق، يوضح ” بسيوني” كيف أنه كان يتحايل على شعور الوحدة عند تناول الطعام بمفرده في أنه كان يشغل كاميرا الفيديو أثناء تناوله للطعام، وأثناء قيام أهله بنفس الفعل، إلا أن ذلك كان يزده شوقًا لتناول الطعام المصري معهم، على طريقة والدته. أما “فهمي” فيؤكد أن الطعام كان يشغل حيز كبير من الحوار مع العائلة خاصةً والدته، على حد قوله: “الوالدة لازم كل يوم تسألني كلت إيه، وتفرح جدًا لو كلت أكل كويس (أو طبخت أكل حلو)، وتزعل لو ما كلتش أكل كويس، الموضوع ده مؤثر معاهم جدًا”.

خاتمة

إن كنا نتكلم هنا عن أهمية الطعام من الجوانب الاجتماعية والثقافية والنفسية قد نجد عامل مشترك لدى الفلسطينيين مرتبط بالطعام وتقاطعاته مع الغربة المستمرة ومشاعر الفقدان، ثلاثتهم عبّروا عن الشعور الجيّد الذي يشعرون به عند تناولهم للطعام داخل فلسطين في مقابل خارجها وربطهم له بمسألة الأرض والعضوي و”ريحة التراب فيه”، ولعل مسألة التراب ورائحته من العناصر الجوهرية في الهوية الفلسطينية عامة، مما يشكل لأهمية الطعام العضوي ميّزة أخرى تتعدى مدى صحيّة الطعام الطازج والعضوي إلى مسائل الهوية والانتماء والارتباط بالقضية. هنا بالذات محور النقاش بما يخص الفلسطينيون والطعام، فيسأل “Mintz” في بحثه حول الشتات والطعام عما يحدث عند انتقال الطعام بدون الأفراد (2015)، لنعكس السؤال هنا حول ما يحدث عند انتقال الناس دون طعامهم؟ لتأتي إجابتي من موقعي كفلسطينية تفهم مسألة الهوية بطريقة مركبة على أنه المادة التي تملأ هذا الفراغ النفسي والمادي لوجود الوطن في الغربة، فيصبح الطعام وبكل عاداته وتقاليده المرتبطة به من إعداده وأكله والناس المشاركون هو الوطن بحد ذاته.

ولم تكن تجربة المصريين عن ذلك ببعيدة، فهي في النهاية عكست معانٍ قريبة بشأن الطعام المصري والحنين إلى الوطن، إلا أن حنين المصريين إلى الوطن يختلف عن نظرائهم الفلسطينيين، فبينما يمكن اعتبار الطعام للمصريين وسيلة للمتعة وتعميق الملكية وأحد وسائل إثبات التمييز في الغربة (الهوية عن طريق المغايرة)، وأنهم في النهاية سيأتي وقت قريب أو بعيد لتناول الوجبة الوطنية بكامل تفاصيلها داخل الوطن. في المقابل، يغلب في حديث الفلسطينيين عن تناول الطعام داخل فلسطين على أنه أضحى من الذاكرة، يصعب تكراره بسبب ما حل بالأرض، والقيود المفروضة على الانتقال إليها بسبب أوضاع الاستعمار. كما يمكن أن نلاحظ واضحًا لدى كل من أجريت معهم المقابلات -فلسطينيين أو مصريين- قناعته بأن أكلاتهم الوطنية أكثر تنوعًا وصحيّة من أطعمة البلاد التي وفدوا عليها، حتى تلك التي تشتهر بالتنوع أساسًا، وأن علاقتهم بالوجبات الأخرى كان إما اضطرارًا أو من باب تجربة الآخر والتعرف إلى ثقافته ليس أكثر. وهو في النهاية ما يؤكد فرضية الدراسة بشأن وظيفة الطعام دوره، الذي يتعدى ما هو متعلق بالأبعاد البيولوجية والفسيولوجية إلى ما هو نفسي واجتماعي وثقافي، وأحيانًا سياسي.

بيان بالمقابلات

قائمة المراجع

Goody, J. 1982. “Cooking, cuisine and class: a study in comparative sociology”. Cambridge: Cambridge University Press.

Mintz, Sidney. 2015. “Food and Diaspora”. Food, Culture & Society. 11:509-523

R.Sheperd and M.Raats. 2006. The Psychology of Food Choice. UK: Food, Consumer Behavior and Health Research Center.

Zubaida, Sami. 2006. “Cultural Dynamics in Contemporary Egypt”. In A Culinary History of “National” Cuisine” Egypt and the Middle East edited by Maha Abdelrahman. Vol 27. of University in Cairo Press.