روان عباس (مصر)

“اليوم نتشح بمظاهر الحداد. ننعي داليا قتيلة السلام، وننعي كل النساء اللاتي قتلتهن الأبوية بدمِ بارد، من نعرفهن ومن لا نعرفهن، من دهستهن عجلة واقع غير عادل، واستمرت في الدورانِ بلا اكتراث. ومن تركت الأبوية فيهن ندوبًا تصعب مداوتها. نتأمل ماضينا وحاضرنا المُنهِكين، حيثُ أصبح الألم ضريبة للوجود، ممتدة من الشارع للبيت.[1]

في فجر الخميس، 18 مارس 2021، سقطت داليا من شرفة منزلها في مدينة السلام نتيجة للخوف والفزع بعدما اقتحم جيرانها في العقار شقتها -لإنهم قرروا أن من حقهم فرض وصاية أخلاقية على حياتها- بسبب زيارة أحد أصدقائها الرجال لها في منزلها. لم تتوقف فرض الوصاية على جسد داليا من قبل جيرانها عن حد قتلها، أمرت الجهات المعنية بالتحقيق في الواقعة ضرورة إجراء “كشف مهبلي” وهو وصف أقل حدة تستخدمه السلطات المصرية بديلاً عن كشوف العذرية أو ما يمكننا أن نسميه “اغتصاب تحت وطأة القانون” لمعرفة إذا كانت الضحية مارست الجنس فعلاً قبيل وفاتها، فيما تهافتت الصحف على نشر سبق صحفي عن طبيعة الملابس التي كانت ترتديها داليا وكان السؤال الذي يثير فضول الصحف المصرية آنذاك هو إذا ما كانت داليا ترتدي الملابس الداخلية أم لا.[2]

مشاعر وهزائم:

تتضمن هذه الواقعة عدة قضايا العنف الجنسي بشكل عام: بدايةً بجريمة شرف والتي تتبعها كشف عذرية. إلا أن طبيعة العنف الممارس في هذه القصة ليس هو الهدف من المقالة ولكن كيفية مقاومته. ولكن المقاومة من المفترض أن تأتي قبل الواقعة أو لمنع تبعات واقعة معينة أو حتى لتحقيق انتصار نسوي من خلال مختلف الآليات، إلا أن هذه القصة هي قصة هزيمة بالأساس، ولم يتبعها أي نوع من المقاومة التقليدية المتعارف عليها. وإنما تبعتها تعزية جماعية لشعورنا جميعًا بنفس الشعور. ومن الهزيمة ينطلق الهدف والفكرة وراء هذه المقالة؛ بأن المقاومة لا تنبع فقط من  التشريعات أو إدماج آليات تقاطعية تأخذ في اعتبارها مختلف الأنظمة القمعية وإنما يوجد نوع من المقاومة المعنوية التي تأتي قبل أي تحرك أو فعل يهدف للتغيير النسوي. فالمقاومة هي خليط من مختلف المشاعر -الغضب والشجاعة وغيرهم- ومن تكوين تلك المشاعر تبدأ، بعبارة أخرى ينتج عن النظام الأبوي الكثير من المشاعر السلبية التي تقف عائق بين النسويات وأي محاولة للمواجهة أو التغيير ولذلك فإننا يمكننا تعريف مقاومة العنف الجنسي في هذه المقالة بأنه القدرة على تخطي وتجاوز المشاعر السلبية الناتجة عن الشعور بالهزيمة.

“نعلم أن قضايانا متصلة فيما بينها، وأن العنف الذي نواجهه يوميًا وفي شتى مجالات حياتنا – أكان عنفًا جنسيًا أو اقتصاديًا أو بدنيًا – هو انعكاس لبُنى اجتماعية مُترسخة، تجردنا من إنسانيتنا، وتنزع عنا حقنا في امتلاك حيواتنا، وترانا نحن وأجسادنا كمادة للتحكم والسيطرة. رجال الأسرة و العائلة، رجال الشارع والحي، رجال القضاء والتشريع، رجال الدين كلهم متواطئون”

لماذا داليا؟

فكرت قبل كتابة هذه المقالة في عدة قصص مختلفة للتعبير عن الشعور بالهزيمة: مثل قصة درية شفيق ومي زيادة ورغم صدق كلتا القصتين إلا أنني أحسست ببعض الاغتراب بسبب تباعد الأزمنة وتغير السياسات واختلاف السياقات الاجتماعية والسياسية. بالإضافة -بالطبع- إلى حداثة قصة داليا فإنها أيضًا قد تسببت بشعور صادم وانكسار بشكل عام وبشكل شخصي إلا أن حالة الإحباط نتج عنها تضامن وترابط أظهرته النسويات والذي تجلى في شكل كتابات ومن ضمنها نعي على شكل نثر والذي نشرته دفتر حكايات -إحدى المبادرات النسوية المصرية الجديدة. ومن المهم الإشارة أن في السياق المصري فإنه لا يوجد مساحة للاعتراض إلا المساحة الافتراضية والتي استبدلت الشارع في صفة العمومية. على الناحية الأخرى فإن قصة داليا كانت بداية بروز إحساسي بالإحباط والذي تبعه محاولتي لبلورة ذاك الشعور في شكل مقاومة ولذلك فإن قصة داليا تمثل البداية -على الأقل بالنسبة لي- فلكل مننا  قصته الأولى في الهزيمة وقصة أخرى للانتصار.  بعد حدوث الواقعة تساءلت عن ما كانت ستكون عليه شخصيتي إذا ما حالت الأنظمة القمعية من الوجود. وإذ ما أكون فقط نتاج تفاعل تلك الأنظمة أم أنني إنسان متفرد بذاتيته؟ لم اتسأل فقط بل تخيلت؛ ربما كنت لأحب البرمجة أو دراسة اللغات أو تعلمت الرسم أو العزف. أشعر في أوقات أن عمري كله سيفنى في محاولة عكس أوضاع -أمقتها- مفروضة عليَ أو الخلاص من تبعات هوية لم اخترها من الأساس. ولكن فوق كل ذلك تساءلت عن مدى جدوى ما أفعله وعن إذا ما كانت النتيجة لتكون مُرضية وهل هي فعلاً تستحق كل هذا العناء؟ بيد أن أكثر ما يؤرقني هو ماذا سأفعل إذا لم ينتهي القمع وإذا لم استطع التحرر من الأساس. للحصول على إجابات لتلك الأسئلة كان من المهم أن أجد  قصص مشابهة، من ناحية أخرى أن أبحث في  تجارب غيري من النسويات. فاخترت لهذه المهمة التحدث مع نسويتين يختلف طابع عملهما -وإن كان الهدف واحد- وسبب اختياري لهما هو ذلك الاختلاف بعينه، لأن هدفي بشكل عام هو معرفة إذا كانت تجربة الهزيمة وتبعاتها من المشاعر معممة على اختلاف أشكال المقاومة أم لا. 

“ونحن شاهدات، على ما اختبرناه بأنفسنا، على ما اختبرته أخريات، وسنجعل من شهاداتنا -المُعلنة منها والغير مُعلنة- شعلة تنير طريقنا باتجاه مستقبل تكون فيه حيواتنا أقل قسوة. ولن ننسى أبدًا أولئك اللاتي سقطن في منتصف الطريق. عليهن الرحمة، ولهن عدلٌ يومًا ما”

ماذا لو؟ أسئلة تطرحها الأبوية

ابدأ بحكاية أمنية دسوقي والتي تعرف نفسها بكونها نسوية تقاطعية والتي تعمل مستشارة في مجال التنمية في إحدى المنظمات الدولية لتمكين النساء في حالة الحروب و المجاعات، فبسبب طبيعة عملها تصادف الهزائم الناتجة ليست فقط عن الأبوية ولكن عن تقاطع النظام العالمي والحروب بين الدول مما مما يجعلها عرضة للاستنزاف النفسي لإن النظام الأبوي لا ينتهي عند حدود عملها وإنما يتسلسل لكل نواحي الحياة. تحكي لنا أمنية عن إحدى الهزائم التي اختبرتها وهي معرفتها  بأن بعض أصدقائها من الرجال قاموا بالتحرش بنساء. لم تكن الصدمة بالنسبة لها هو الشعور الوحيد الناتج عن معرفتها وإنما شعور بالتخبط والإحساس بالذنب. الأول كان بسبب عدم قدرتها على تصديق أن أصدقائها ممكن أن يكونوا قد تسببوا في أذية غيرها من النساء ومن الناحية الأخرى رغبتها في أن تحافظ على مبادئها وأن تكون ما  تؤمن به وما تتبعه في حياتها العملية متسق مع حياتها الشخصية ومع من حولها. أما الشعور الأخير -وهو الإحساس بالذنب- فكان بسبب الكثير من التساؤلات التي وردت في ذهن أمنية، تولد لديها الإحساس بالذنب لإنها لم تكن تعرف مسبقًا، وإنها إذا عرفت مسبقًا ربما كانت لتكون مساندة للناجيات من العنف الجنسي بشكل أفضل. يتردد في ذهنها الكثير من الأسئلة التي تبدأ ب”ماذا لو”

وجدت أمنية طريقة للتعامل مع المشاعر التي تتبع الهزيمة، مع الوقت أدركت أن الإحساس بالذنب هو نتاج للنظام الأبوي الذي وضع النساء دائمًا في موقع المسؤول والحامي لتصرفات الرجال وأخلاق المجتمع ككل. كانت تلك هي النقطة المفصلية التي جعلت أمنية تتخلص من إحساسها بالذنب هي معرفتها بموقعها وموقع الفئة المهيمنة من موازين القوى. ذلك الوعي تُرجم إلى وعي مترابط و متداخل مع الشعور بالاحتراق النفسي، لإن من خلال وعيها بموقعها من النظم المهيمنة فهي أدركت أن النسويات هدفهن واحد وعدوهن واحد وإنها لن تستطع حل مشاكل العالم لوحدها ولذلك ، وفقًا لها، فإن توقفها عن المحاربة قليلًا لحماية نفسها من الإنهاك النفسي مع يقينها بوجود غيرها من النساء من لهن نفس الهدف ونفس العدو يساعدها على تجديد مشاعرها وطاقتها للعودة مرة أخرى لساحة المعركة وبعودتها تتيح المساحة لنساء أخريات أن يرتحن قليلًا حتى يحمين أنفسهن من الإنهاك.

آليات قمع جديدة = آليات مقاومة جديدة

ننتقل من حكاية أمنية إلى حكاية عزيزة الطويل والتي تعمل محامية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وبشكل أخص على ملف الجندر والذي يتضمن القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية والعنف الجنسي بمختلف أشكاله. تذكر عزيزة على وجه الخصوص القضايا الأخيرة التي يمكننا الإشارة إليها بأنها الانهزامات الحديثة: حفظ قضية الفيرمونت وبراءة المتهمين في قضية تحرش جماعي في المنصورة. وإن كانت هذه الأحداث أصابت الجميع بحالة من الإحباط إلا أن عزيزة وبسبب طبيعة عملها كمحامية متخصصة في قضايا العنف الجندري، تكون بشكل كبير منخرطة في تفاصيل القضايا أكثر من المعلومات المنشورة للعامة، كما أنها -وعلى المستوى الشخصي- تندمج مع قصص الناجيات مما يؤدي إلى شعورها باليأس والإحباط وخاصةً عند خسارة تلك القضايا. تتباين طريقة عزيزة في التعامل مع الهزائم عن طريقة أمنية من حيث عملية الموقف -وتتفقان في بعضها-، إذ يمكننا وصف طريقة تعامل عزيزة بأنها برجماتية بالأساس إلا أنها لا تخلو من الجانب المعنوي. يظهر ذلك الجانب في طريقة تخطي عزيزة للإحباط واليأس، فهي تتخطاها من خلال إدراكها للواقع المحيط بوضع المرأة في مصر السيء حاليًا وفقط عن طريق الوعي بمدى سوء الوضع، تحاول عزيزة أن تعيد بناء معرفتها بالآليات الأبوية المتجددة للدولة والتي تتجلى بدايةً من نظرات محرر المحضر وحتى تعامل القاضي والنيابة العامة مع الشاكية. باتباع هذه الطريقة، تتمكن عزيزة من استنباط كيفية عمل النظام الأبوي وبالتبعية كيفية تجنب الهزائم وتحقيق انتصارات. وعلى الناحية الأخرى، فهي ترى أن عدم الانغماس بشكل شخصي مع الناجيات يجعل وقع الهزيمة أخف وطأة وبالتالي يقل من حدة الشعور باليأس والإحباط الناجمين عن تلك القضايا.

الخاتمة

المتشابه في كلتا الحكايتين هو إدراك عزيزة وأمنية للموقع الذي اتخذناه في هيراركية النظام الأبوي وبرغم من أن ذلك الوعي بموقع القوى كان هو نقطة بداية تخطيهما للمشاعر السلبية الناتجة عن الهزيمة إلا أن الآلية المستخرجة لأنسب طريقة للتعامل مع تلك الهزيمة اختلف في الحكايتين؛ من طريقة عملية هدفها عدم تكرار تلك الهزائم مرة أخرى وصولاً إلى شيء معنوي خالص يرتكز على الشعور بالترابط. لذلك فإن المشاعر الناتجة عن الهزائم التي تتسبب بها الأبوية لا يمكننا التخلص منها إلا من خلال استبدالها بوعي ثابت بالموقع وقد ينتج عن ذلك الوعي مقاومة معنوية تتجسد في مشاعر أخرى إيجابية تخلقها النسوية. -في قصة أمنية تم استبدال الذنب والإنهاك باليقين والترابط- أو مقاومة مادية تتجدد بتجدد الطرق القمعية. بعبارة أخرى، هذه المشاعر السلبية هي جزء متصل بالنظام الأبوي ولذلك فإن استبدالها هو جزء لا يتجزأ من مقاومة العنف الجنسي بشكل عام ومن المقاومة النسوية بشكل خاص.


[1] دفتر حكايات، نعي داليا قتيلة السلام

[2]“سيدة السلام”: ما الذي نعرفه حتى الآن عن مقتل مصرية ‘اقتحم’ جيرانها منزلها؟، BBC NEWS عربي

تم تسليم هذا المقال للفرض النهائي الخاص بمساق “الجندر في العالم العربي”