عن النشاط:

أقامت مؤسسة عبد المحسن القطان 4 ورشات لزملاء وزميلات الجيل الجديد التابعة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية ، بمشاركة 20 زميل وزميلة من جامعات فلسطينية مختلفة في مركز القطان الثقافي (رام الله). قدم الورشات كل من: مديرة متحف جامعة بيرزيت د. رنا بركات والأستاذ المشارك في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة بيرزيت د. أباهر السقا. و تمحورت الورشات حول معرض “فلسطين من الأعلى”، وكيفية قراءة هذا المعرض والأعمال فيه، من خلال التطرق إلى تاريخ الفن، والمتحفية، وقراءات سوسيولوجية مختلفة لهذه المواضيع. وكجزء من النشاط، أنتج الزملاء والزميلات عدداً من الكتابات حول المعرض.وتهدف هذه الورشات إلى تطوير وإتاحة انتاجات ثقافية من شأنها توسيع قاعدة الجمهور، وتحفيزه على التفاعل والفعل، وتعزيز بنية ثقافية، فنية وتربوية، حيوية قادرة على عملية إنتاج معرفة نقدية وتحريرية وإثرائها.

بقلم: ريم سليمان (جامعة بيرزيت – فلسطين)

إن تجارب الفلسطينيين المحرومين والممنوعين من رؤية فلسطين لأول مرة بفعل الواقع الاستعماري الاستيطاني وتوثيقهم وتصويرهم لفلسطين من أعلى تحمل دلالات مختلفة عن نوايا وتمثيلات المستعمر لرؤية فلسطين من أعلى حيث إذا راجعنا الصور الجوية سنلاحظ أن التصوير الجوي لفلسطين ترافقه مشاعر السيطرة، والهيمنة والقدرة على الاشراف على فلسطين من أعلى ضمن مناطق جغرافية محددة. [1]سيحاول هذا البحث الغوص في هذه التجارب معمقا، دلالات لم أتخيل أن تحمل كلّ هذه التفاصيل والمشاعر الزخمة.

بشكل أساسيّ سيركز البحث على تحليل تجارب السفر عبر الطيارة بشكل عام من عمان إلى أوروبا، او أوروبا الى عمان، استنادا إلى محاولة فهم اللا-مرئي في الصور الملتقطة، وما يسبق التقاط الصورة، ولحظة التقاطها، وما بعد التقاطها وأثر هذه التجربة عليهم. وكيف تبدو هذه التجربة لمن لم ير فلسطين في حياته كمخطط ومشروع بحد ذاته، وما هي هذه السلسلة من التجهيزات. وكيف تتجلى العلاقة ما بين الماضي، الحاضر والمستقبل في هذه الصور. وكيف تتشابك العلاقات بين من خاض التجربة وما بين عائلته، أقاربه، أصدقائه والفلسطينيين عامة، أي التشابك الدّال على الخاص والعام.

أجادل في البحث أن التقاط الصورة ليس فعلا تقنيّا، لحفظ المكان وتوثيقا للتجربة، بل يتخطى ذلك الوظيفة التقنية، فبالإمكان الاستغناء عن التقاط الصورة، أي انه ليس فعلا اضطراريا. كذلك أن التقاط الصورة ليس فعلا فرديا بالنسبة لملتقطها، بل تجربة تشاركية جماعية. وكذلك، خلافا لتجربة المستعمر ونواياه عند التقاط الصورة من أعلى، فإن الفلسطيني الخائض لتجربة رؤية فلسطين من أعلى لربما سيستصعب تكرارها، بفعل أنها تجربة تتشابك مع تساؤلات سياسية واجتماعية وأمنية ونفسية عديدة.

أجريت مقابلات معمقة مع خمسة فلسطينيين عبر مكالمات الفيديو من خلال استخدام برنامج “زوم” لعدم إمكانية التقاء المتقابلين وجاهيّا، “شيرين” و”ياسمين” وهما لاجئتان فلسطينيتان في اوروبا، “علي” من الأراضي المستعمرة عام 1967 ويقيم في برلين حاليا، و”سمية” و “رفيق” لاجئان فلسطينيان من مخيم برج البراجنة في لبنان. اتخذت المقابلات أسلوب الحوار الحرّ والحديث مع المتقابلين حول تجربتهم لحساسية ورغبة المتقابلين بمشاركتها، إلا أنه كان هناك بعض المحاور التي حُددت مسبقًا لتتضمن محاولة التوصل إلى مقارنة ما بين الصور الملتقطة والتجربة المعاشة من قبل المستعمَر والمستعمر.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأسماء في هذه الورقة هي أسماء مستعارة، ولقد تراوحت أعمار المشاركين ما بين 20-35 سنة، وتم الوصول إلى العينة من خلال منشور عبر صفحات الفيس بوك، وربما هذا ما ساهم في حصر العينة في هذه الفئة العمرية تحديداً.

قام بعض من المشاركين في المقابلات بمشاركة الصور والفيديوهات التي تم التقاطها، وتم معالجتها هذه المرة وفق رؤية الفلسطيني نفسه لا المستعمر والمستشرق – حيث لم يقم بإزالة وجود السكان والحياة على هذه الأرض، كما تم عرض ذلك في معرض “فلسطين من الاعلى” عبر محور العيون الجوية، فاستخدمت الصور الجوية البافارية والبريطانية القديمة كدليل لعدم وجود السكان، وبالتالي نفي ومحو وجود الفلسطيني- بل للفلسطيني نفسه الذي يمارس فعل الرؤية كتلصص من الأعلى، وهو ما تم توضيحه لاحقاً في هذه الورقة.

سلسلة من التجهيزات اللا- مرئية والسابقة للصورة المُلتقطة لفلسطين من أعلى
تبدو تجربة رؤية فلسطين من أعلى للفلسطيني في مخيمات اللجوء وفي المناطق المستعمرة عام 1967 كمخطط ومشروع بحد ذاته. فجميع المشاركين في البحث يتشاركون ذات أنماط التخطيط للرحلة، من حيث تفحص مسار “الرحلة”، وحجز تذكرة في ساعات الصباح -إن أمكن- ليتمكنوا من رؤية فلسطين في الصباح دون حدود. يُستدل من مقابلة أجريت مع “علي” أنه ولأسباب اقتصادية كان مضطرا لحجز تذكرة في ساعات الليل كونها منخفضة التكلفة مقارنة بالصباح وفقا لملاحظته بعد تجارب سفر عديدة، ويستدل هنا البعد الطبقي لإمكانية رؤية فلسطين من الاعلى، فمن يسافر ليلًا تكون إمكانية رؤيته منخفضة، كسعر التذكرة ليلًا مقارنة بالتذكرة صباحاً وإمكانية رؤية فلسطين بصورة أوضح من أعلى كاحتمالية أعلى. وبالإضافة لذلك، التحضير للجلوس بجانب الشباك، أو الطلب من مُضيف الطيران أن يجلس بجانب الشباك إن أمكن.

تقول “سُميّة” أنها وبسفرها إلى أيّ مكان حتى وإن كانت تعلم أن الطيارة لن تمرّ من فوق فلسطين ولا يوجد أي احتمالية لهذا، فإنها دوما تستعين بالخريطة وترى مسار الرحلة، وتتساءل هل بالإمكان أن نمرّ من فوق فلسطين، أو تقوم عائلتها وأصدقاؤها بالبحث معها وتشارك بعض المعلومات حول احتمالية مرور الطيارة ما فوق فلسطين. لهذا ترى “سمية” أن تجربة الطيران والتقاط الصور الجوية لا تعني فقط حجز تذكرة، أو مجرّد السفر عبر الجو، فهناك العديد من الأمور المرئية التي تسبق هذه اللحظة. بالنسبة “لسمية” إن تجربة السفر والطيران من أعلى هي تجربة تكامليّة، ففلسطين حاضرة بالنسبة لها في كل مكان وزمان، فهي حتى عند وصولها للمطار تقوم بالتفتيش على مكان الطيارة المٌحلقة إلى مطار اللد.

أما “رفيق” عند سفره من بيروت الى إسطنبول لأول مرة عام 2014، لم يتوقع أو يتخيل أنّ هناك إمكانية لطيران عربيّ أن يمرّ فوق فلسطين. وكونه بالعادة كان يذهب للحجز عبر مكاتب السياحة، فلم يمارس قبلا تجربة البحث عن التذكرة لوحده، لهذا عندما حصل على نتائج بحث تشير إلى طيران المملكة الأردنية من بيروت إلى عمان ومن ثم إلى تركيا، عندها بدأ بالتفكير باحتمالية أن تمر الطيارة من فوق فلسطين، لكنه لم يكن متأكدا وحاسما تجاه الموضوع، ومع ذلك أصر أن يحجز تذكرة الذهاب والإياب صباحا كي يتسنى له رؤية فلسطين. يشعر “رفيق” أن تجربة التساؤل واللايقين تجاه: هل مرور الطيارة من فوق فلسطين من عمان إلى إسطنبول ستبدو سخيفة لبعض الناس، ولهذا في حينها لم يخبر أحدا أنه وعلى حد تعبيره “ذاهب ليرى فلسطين، ليرى البلد”، ليتفادى معلومة من أي أحد أنه مخطئ وأن الطيارة لن تمرّ من فوق فلسطين، فيكسر الأمل في داخله.

تقول سوزان سونتاغ في كتابها حول الفوتوغراف أن “الناس المسلوبون من ماضيهم يبدو أنهم يشكلون الاغلبية بين ملتقطي الصور المتحمّسين في الوطن وخارجه”[2]، وهذا مثير للاهتمام كونه يتناقض مع تجربة كلّ من المشاركين في البحث، فالتقاط الصورة كان فعلّا بالإمكان التّخلي عنه، ولم يتم التفكير به بشكل خاص، مقارنة بالتحضير للسفر ورؤية فلسطين من أعلى، مقارنة مع المستعمر والمستشرق الذي بالنسبة له الصور ستستغل لأهداف استعمارية، منها تدعيم مخيلة “أرض الميعاد” وتصديق الادعاءات الصهيونية لشجيع “الهجرة” الى فلسطين، وتدمير المكان، بالتالي من غير الممكن أن يعود أدراجه بدون هذه الصور.

 تقول “شيرين” أن التجهيزات للسفر من السويد إلى فلسطين كانت موازية للتحضير لامتحان “البكالوريا” (امتحان الثانوية العامة)، وهذا بعدما علمت صدفة عن طريق صديقة الطفولة من مخيم اليرموك في سوريا، تحمل الجنسية الأوروبية، أن هناك إمكانية لزيارة فلسطين بعد حصولها على الجنسية الأوروبية، ، فبدأت حينها بالقراءة والبحث المعمق والدراسة لأشهر مطولة، تمتد من شهر حزيران حتى كانون الأول، قراءة قد تمكنها من الدخول إلى فلسطين بدون معوقات أمنية او محاولة تفاديها على الأقل، كل هذا بمساعدة صديقتها وتتبعها خطوة خطوة لحيثيات السفر. وبالنسبة لشيرين فلم تقم بالتقاط الصور، فهي بالعادة بسفرها عبر الجو تنام حتى الهبوط، لكن عند سفرها إلى فلسطين استيقظت عندما كانت الطائرة فوق فلسطين، وقبل أن تفهم أن الطائرة تمر بهذه اللحظة فوق فلسطين، فكانت تنظر وتبكي وتشعر بالحسرة، وحاولت إخفاء دموعها وحسرتها كون “الإسرائيليين” من حولها، ولا توّد أن يروها في هذه الحالة، فطوال الوقت أرادت تفادي الظهور بحالة “ضعيفة” أمامهم، كما تصفها. لهذا ومع أن الكاميرا والتصوير وفقا لسونتاغ هي “تجربة الاستيلاء”[3]، إلا أنه وبالنسبة لشيرين فكانت تود أن تنظر بتركيز عالي إلى المشهد الجوي، وأن لا تفوّت أيّ تفصيل صغير. ترى شيرين بأن حاسة النظر كانت أهم شيء بالنسبة لها، كونها تعلم أنها ستكون بمثابة سائحة في فلسطين، تعود الى أوروبا بعد بضعة أيام، وهذا مقارنة بالمستعمر الذي ينظر من مكان استعلائي وفوقي، راغبا بالتملك، والنظر الى البلاد للاستحواذ عليها، فكما تكتبت كلاوديا مانسل أنه خلال الحرب العالمية الأولى أصبح التصوير الجوي استعارة للمراقبة والتحكم ومشروعا للقوة العسكرية عبر المشهد، حيث أن العين تحولت إلى سلاح، كأجندات للسيطرة واضفاء الشرعية، بدلا من كونها تمثيلات محايدة للأماكن.[4]
التقاط الصورة
إن لحظة التقاط الصورة تتسم بمحاولة تقريب الصورة (zoom) قدر الإمكان، فليس الهدف الحصول على صورة من الأعلى لفلسطين، إنما البحث عن وطن مُفتقد واسترجاعه، وابتكار صور جديدة له في مخيلة الفلسطيني. وهذا يُستدّل من الحديث مع إحدى المشاركات في البحث “ياسمين”، حيث تذهب إلى ما هو أبعد من التقاط الصورة، فتستعين بمخيلتها وتقوم بالمقارنة ما بين ما تعرفه وبين ما تراه، وتسترجع جغرافيا فلسطين التي تعلمتها في منهاجها المدرسي.

الفيديو الملتقط من ياسمين كما هو مرفق،  على عكس ما قام به قام المستعمر من تصوير فلسطين فقط بطبيعتها وطوبوغرافيتها من بعيد دون اظهار اي وجود للسكان، “ياسمين” تقوم بتقريب التصوير نحو الكثافة السكانية والمباني، كأنما تود أن ترى ما هو أبعد من الجبال والبحار، وهي المساحة المستغلة من قبل الفلسطينيين والتي كان يتم اخفاؤها ومسحها من قبل المستعمر والمستشرق الذي يعيد إنتاج المخيلة الاستعمارية.

وكذلك، كان هناك فرق بين الصورة الملتقطة والفيديو من قبل ياسمين (وحتى المستعمر)، ففي الفيديو تتواجد الحركة التي تعبر عن ما هو المهم بنظرها، ماذا تريد أن ترى، أين تود تعيين الفيديو، وهذا بخلاف الصور التي تم التقاطها. وحتى الفيديو أو الصور التي يقوم المستعمر بتصويرها فالهدف منها مختلف مختلف عن الفلسطيني، حيث يرغب المستعمر أن يجمع صورا واضحة ودقيقة للسكان راغبا انتزاعهم من المكان، والسيطرة عليهم، وممارسة اعتقالات كانتزاع مؤقت غالبا، أو اغتيالات كمحاولة انتزاع دائم.

يتشابه فعل “ياسمين” بما  نٌشر في منصة Facebook عبر منشور لشاب فلسطيني اسمه “عمار”، شارك في مبادرة يُطلق عليها “من شباك الطائرة”، وهي مبادرة لتوثيق تجربة رؤية فلسطين من الأعلى. يقول عمار: “لا أحد يراقب شباك الطائرة مثل الفلسطيني الذي يمر من فوق وطنه، ليراه كاملا كما الخريطة التي نحفظ رسمها عن ظهر قلب. لنميز المدن كاملة، من البحر الميت وأريحا، الى جبال القدس ورام الله ونابلس، ثم إلى الساحل الفلسطيني، لنتمعن بشدة ونميّز ميناء يافا، وهناك إلى الشمال خليج حيفا وعكا كما نرسمه بتلك الانحناءة التي تظهر في الصورة، ومن بعيد أحيانا يظهر جبل الشيخ وكأنه على مرمى حجر! إنه الجزء المفضل لي في الطائرة أن امر فوق بلادي، وأحيانا كنت اميز الشوارع من الطائرة صدقوني”. [5]
لنأخذ لحظة في التفكير حول ما بعد التقاط الصورة.  تبدأ محاولة التفكير في أين هو المكان الملتقط منه الصورة، وهذا يعني بالضرورة استحضار تجارب الماضي أو تجارب الآخرين. على سبيل المثال، يقول “علي” أنه كان على يقين بأنه يُحلق فوق فلسطين، لكنه لا يعلم بالتحديد أين. وتبعا لتجارب التجوال السابقة له في فلسطين كان متحيّرا ما بين جبال رام الله أو جبال نابلس، فقام بتحديد ذلك وفقا لكثافة المستوطنات الصهيونية في المناطق المستعمرة عام 1967. ومن أجل قطع الشك باليقين استعان بصديقه الذي قام صدفة بتصوير ذات الطيارة في نفس الساعة عند مرورها فوق بلدة نعلين في رام الله.

وأما “سمية”، فتقول إننا حرفيا لم نرّ إلا الأضواء خلال الليل عند سفرهم من عمان إلى السعودية، لكن أمها قامت بتحديد الأضواء التي بجانب بعضها البعض على أنها الجدار الفاصل في القدس المحتلة، كون أمها كانت قد زارت القدس مسبقًا. تقول آمنة ان بعد الفحص والبحث والحديث مع عائلتها واقاربها تبيّن أن هذه غزة ليلاً، لكنها أحبت أن تبقى فكرة أنها القدس في ذاكرتها، بينما يحاول المستعمر قدر الإمكان تحديد الأماكن بموضوعية وتوثيقها، فلا حاجة لاستخدام مخيلته لتخيل الأرض التي حُرّم منها اللاجئ الفلسطيني، وبالتالي تمسّك “سمية” بأنها رأت القدس وأشبعت مخيلتها بالواقع.
يحاول “رفيق” مساعدة “سمية” في تحديد المكان عند ذكره لأن أخيه أيضا قام بالسفر من عمان إلى السعودية، فيقول إن الطيران يمرّ من عمان إلى مصر والمياه[A1]  الاقليمية ويصل السعودية. هكذا، تكون “سمية” وعائلتها وباقي الفلسطينيين في الطائرة المتجهة إلى السعودية على ما يبدو قد رأوا غزة وليس القدس. كل هذه دلائل تتجاوز أهمية الصورة بحد ذاتها، فتستحضر تجارب جماعية وتجارب ماضية متماسكة ومتشابكة لفلسطينيين يحاولون تحديد مكان الصورة على الرغم من صعوبة واستحالة التواجد في بعض الأحيان  على يابسة وساحل فلسطين.

مشاركة الصور ودلالاتها

بالنسبة للفلسطينيين المشاركين في المقابلات، إن الصورة لا تحمل الماضي فقط وتمكنهم من الاحتفاظ بالتجربة، إنما تمنحهم وجودا وأملاً مستمرًّا بالعودة ونظرةً للمستقبل. فمشاركة الصور مع العائلة والأصدقاء وانتظارهم وترقبهم للصور هو بحدّ ذاته بناءً للمخيلة الجماعية. حيث أن الصورة ذاتها ليست الواقع، وإنما مشاركتها تنفخ في هذه الصورة وتدعمها بواقع مختلف، لربما تحمل روايات وذكريات قصصية عن فلسطين مع الأجيال الفلسطينية المهجرة واللاجئة، وتسمح برواية الذاكرة ونقلها وتداول معانيها ضمن سياق له تخيّلات عاطفية وحميمية.
يبدو فعل مشاركة الصورة مع الأقارب والأصدقاء عبر الجلسات والمحادثات، أو عبر منشور في مواقع التواصل الاجتماعية ملازما لما تستشهد به أناهيد حردان عن المفكرة “ميكي بال” (Mieke Bal)، فتقول: “إن أولئك الذين يختارون أن يساهموا بذاكرتهم في فعل تدل عليه بصفته تذكرا او صوغ ذاكرة، والآخرين الذين يشكلون سمات الشخصية الثانية الضرورية من أجل تيسير الذاكرة، هم منخرطون معا في “أفعال الذاكرة”. وهذه الأفعال هي عملية تبادل بين شخص أول وشخص ثاني، تقوم بإنشاء ذاكرة.”[6]
ينشر “رفيق” عن تجربته عبر مقالة صحفية، يشرح بالتفصيل مشاعره، ويشارك بعد سنوات صورةُ عبر منصة فيسبوك تم التقاطها للساحل الفلسطيني، ويشبه الصورة والبلاد بوجه جده وجدته، وتتوالى التعليقات المتمنية اختبار ذات اللحظة، وتعليقات أخرى تؤشر على الضرورة والحاجة الملحة للعودة إلى فلسطين. وأما “سمية” ففي حينها لم يكن هناك حضور قوي للتكنولوجيا، لكن بالإمكان التقاط بعض من مؤشرات مشاركة الصورة مع المسافرين الآخرين في الطيارة، فتقول “سمية”: “بإمكانك أن تلاحظي الحسرة على وجوههم، الكل جالس “ومكسور خاطره” عل الرغم من أنهم متوجهون نحو العمرة، لم تمرّ هذه اللحظة، بل بقيت عالقة طوال الرحلة، الكل في قلبه حسرة للجزء الوحيد الذي يحق لنا أن نراه من فلسطين كاملة”. فخلافا لما يشعر به المستعمر من نشوة وتملك، شعر المسافرون بالتملك للحظة ما وبعدها كانوا على دراية انهم سيعودون إلى واقع مختلفٍ تمامًا، ومفارقةٍ مزعجةٍ ومقيتة، فالصورة هنا حضورُ زائف ورمزُ للغياب[7].
كذلك قامت”شيرين” بكتابة منشور عن لحظة ما بعد رؤية فلسطين من أعلى، ووصفت فيه مشاعرها وتجربتها. وكان المنشور مفرحا للناس وانتشر بصورة كبيرة، فشعر الفلسطينيون بالأمل عن أن رؤية فلسطين ليس بشيء مستحيل.
أما “علي” فكانت مشاركته للصورة تحمل دلالات وجوده حاضرا في فلسطين وإن كان بعيدًا عنها. فيقول، بالتزامن مع سفري كان هناك اضراب عن الطعام للأسير “كايد الفسفوس”، وقد قام بإرفاق صورته مع الصورة الجوية لفلسطين من أعلى.
بحسب “دوجا” (Dugas) فإن الصور الملتقطة والتّخيل الذي لمسناه من تجارب المشاركين في البحث، هو استعادة الأشياء الغائبة وابتكار أشياء لم توجد من قبل. وهكذا، لا ينحصر هذا الفعل على استعادة صورة ما ماضية، ولكن القيام بتأليف صور ومعاني جديدة، ومعاني سياسية وأخرى اجتماعية وثقافية وهوياتية وشخصية.[8]
وكذلك، استلهاما من عمل عصام نصار في ندوته بعنوان “فلسطين بعيون المانية” [9]، يقول إن المخيلة التاريخية قادرة على إحياء الصورة؛ فإن المخيلة والتجربة التشاركية الجماعية تقوم بإحياء الصورة الملتقطة عبر الجو، ولهذا بالطبع تختلف هذه الصور تماما عن رغبات وتمثيلات المستعمر لهذه الصور الجوية.
إضافة لذلك فإن في المثال السابق “لسمية” حول سلسلة التجهيزات المسبقة لتجربة المرور من فوق فلسطين وتتبع اهلها واصدقائها لمسار الطيران لتفحص إمكانية رؤية فلسطين من أعلى هو مؤشرا على المشاركة الفعلية لهم للصورة المنتظرة.

ما بعد التجربة: تساؤلات يتداخل فيها الخاص والعام

تأتي القوة السياسية كما تجادل كلاوديا مانسل للتصوير الجوي والخرائط الجوية لجعل المجتمعات التي تحكمها “مقروءة” بطريقة تهدف إلى السيطرة على الموارد والأشخاص، وإعادة تكرارها.[10] الا أن هذا لا يتجلى في تجارب الفلسطينيين في السفر الجوي ورؤية فلسطين من أعلى. فيقول “رفيق”: “بدّت فلسطين بوضوح شديد، ومررنا من فوق قيساريا، لم أرً عكا، لكن الساحل كان واضحا، على مدّ النظر، قد أكون لمحت عكا، لكنني بالطبع شعرت بالانتصار. لكن هذا الشعور أصعب من أن تقوم بتجربته مرة أخرى واستحماله، فعندما تتمحور كلّ حياتك حول فلسطين، في المخيم، المدرسة والجامعة، وكل ما تفكر به وتفعله منوط بهذا المكان، تعجز عن تجربة شعور التخلي مرة أخرى، فليس بإمكانك التواجد في فلسطين بصورة اعتيادية”. لهذا لم يمانع “رفيق” بالتفكير أنه حتى وإن سقطت الطائرة في حينها سيكون فرحا، فهو لم يقطع فلسطين جوا فقط، بل قطعها على اليابسة أيضا. هنا نرى أنه على الرغم من أن باقي المسافرين يرتعبون من فكرة سقوط الطائرة ولا يودون إنهاء حياتهم بهذه الطريقة، إلا أن رفبق كان مستعدا لذلك، فرؤية فلسطين من الجو ليس حدث اعتيادي كرؤيتها من اليابسة، من جنوب لبنان: مستوطنات وجيش وجدار ومناطق عسكرية.
تثير التجربة بالنسبة “لشيرين” تساءلات عديدة، فتقول “أنا اليوم نادمة، وأفكر بعدم زيارة فلسطين مرة أخرى، أفكر بالموضوع كثيرا، لم يعدّ الموضوع سهلًا أو محمسًّا، فأنا بمجيئي إلى فلسطين وخروجي منها شعرت كأنني أعيش النكبة من جديد، أعيشها مرتين، فأنا مثلما دخلت إلى فلسطين أخرج منها، فليس من السهل أن تكوني طوال حياتك غريبة ولاجئة، وبعدها تعودين إلى مكانك وانتمائك الأول، ويشعرك من حولك بأنك “منهم وفيهم” وإن اختلفت لهجاتكم، ومن ثم تعودي لاجئة من جديد!. ليس من السهل أن تجربي شعور امتلاك البيت، وأن تزوري شخصا في بيته الحقيقي، بيته الذي يملكه، خاصة ونحن اللاجئين في أوروبا لدينا مشاعر غريبة تجاه بيوتنا، فلا نشعر أنها بالفعل سقفنا وبيتنا، وإن أثثنا البيت بالعديد من الأغراض، نشعر دوما أن هذا البيت ليس لنا، وإن كنا في مخيم اليرموك أكثر رضا تجاه البيت، فكان المخيم بالنسبة لنا هو الحميمية في البيوت والجلسات العائلية، وهذا مختلف تمامًا عمًا نعيشه في أوروبا.”
نلاحظ هنا الخوف من إعادة التجربة، وكيف ترتبط هذه التجربة بتجارب ومراحل حياتية مختلفة، ومن ثم تجعل الفلسطيني يرفض تعايشه مع المستعمر وتقبله الطبيعي. ترى “شيرين”:” اما أن نعود جميعنا أو لا أود العودة مرة أخرى لوحدي، فما هي الفائدة؟ البلد بالنسبة لي هيّ في ناسها واشخاصها وتناقضاتها، ليس فقط في جغرافيتها، فأنا قررت أنني كلما اشتقت للعودة إلى فلسطين وزيارتها سأنزل إلى المخيم في لبنان.”

خاتمة

أتساءل نهاية، في حين كانت الصور الملتقطة من المستعمر والمستشرق بمثابة ترويج لليهود الأوروبيين من أجل استقطابهم ليكون جزءا من الحركة الصهيونية والمجيء للعيش في فلسطين. بالمقابل، ما هو أثر وأهمية -أو عدم أهمية- الصورة الملتقطة والتجربة المعاشة على الفلسطيني الذي لم يرّ فلسطين من الأعلى ولكنه رأى صورا لها (على سبيل المثال عائلة وأصدقاء ملتقط الصورة) من قبل ملتقط الصورة.


[1] عناني، يزيد. روايات فلسطين من الأعلى. (فصلية القدس، 2020). ص6

[2] سونتاغ، سوزان. حول الفوتوغراف. (بيروت: دار المدى، 2013). ص17

[3] سونتاغ، سوزان. حول الفوتوغراف. (بيروت: دار المدى، 2013). ص15

[4] Mansell, Claudia. A Change of Perspective: Aerial Photography and “the Right to the City” in a Palestinian Refugee Camp. (Visual Imagery and Human Rights Practice. 2018) p. 213–228.

[5] لم يتم مشاركة رابط المنشور للحفاظ على  خصوصية الشخص

[6] حردان، أناهيد. الفلسطينيون في سورية ذكريات نكبة مجتمعات ممزقة. (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2020). ص 168

[7] سونتاغ، سوزان. حول الفوتوغراف. (بيروت: دار المدى، 2013). ص24.

[8] بوال، محمد. من المخيلة إلى المخيال: دراسة في تاريخية المفهوم. (الجزائر: مجلّة الواحات للبحوث والدراسات، 2011). ص111.

[9]  رابط الندوة على موقع يوتيوب : https://www.youtube.com/watch?v=bTDlCezDGUE

[10] Mansell, Claudia. A Change of Perspective: Aerial Photography and “the Right to the City” in a Palestinian Refugee Camp. (Visual Imagery and Human Rights Practice. 2018) p. 213–228.